القسم : مقالات عدد القراء : 176
التاريخ : 2018/02/20

 

مقالة مهداة لكل من دافع على مشروعية تدريب الأطفال على الصلاة في المخيمات الصيفية

 

إذا كانت الشريعة الإسلامية قد أصلت لمبدأ الحريات الفردية ورعته بالنسبة للبالغين، فقررت منع الإكراه على الدين بكل صوره، فإن تلقين القيم والمبادئ للصغار وتدريبهم عليها لا يخل بهذا المبدأ في شيء. إذ يكاد الناس يتفقون على اختلاف مبادئهم أن الإنسان يولد جاهلا، لا علم له بأي شيء، ولا قدرة له على التمييز بين حقوقه وحقوق الغير، ولا بين حاجياته وحاجيات غيره، ثم بالتدريج يكتسب مجموع من القيم والضوابط من المجتمع، وهي غالبا ما تكبح جماح تصرفاته بما يحقق التوازن بين حريته الفردية وبين حريات وحقوق بقية أفراد المجتمع. وحين يكبر يحجم عن كثير من التصرفات بشكل تلقائي، لأنه تلقى من التربية والتكوين ما يجعله يميز بين الخير والشر، بين الفضيلة والرذيلة، ولا يحتاج إلى تحجير المجتمع عليه إلا ناذرا.

فالطفل ينطلق عفويا لا يفرق بين النافع والضار، ويعتقد أن كل ما يحيط به ملك له وحده، ويريد أن يستأثر به. ومع مرور الزمن يتعلم حدود حريته ومجال اختصاصه. ويكون المجتمع بدءا من الأسرة ومرورا بالمدرسة وانتهاء بالفضاء الأرحب هو الملقن لقيم المجتمع ومبادئه. وهكذا فإن تلقين مبادئ الدين والقيم موكول لأفراد الأسرة يُعلمونه صغارهم ثم يتناصح به الكبار أيضا. وهذا التعليم والتلقين لا يتعارض البتة مع الحريات الفردية بل هو مظهر لتلقينها ولتعليم حدودها وضوابطها. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مولود إلا يُولَدُ على الفطرةِ ، فأبواه يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه ، كما تُنْتجون الإبل ، فهل تَجدون فيها جَدْعاءَ، حتَّى تكونُوا أنتم تجدعونَها»[1]. والمعنى أن الانسان يولد سليم الفطرة، مائلا إلى الخير والصلاح، لكن تأثير المجتمع هو الذي يُدخل عليه النقص والعيب.

وهكذا فالتربية الوالدية تقوم بدور التلقين والتوجيه وغرس مجموعة من القيم عند الناشئة، وقد يأخذ ذلك شكلا إلزاميا في البداية ما دام ينشد المصلحة الفضلى للطفل. وهكذا يتعلم الطفل مبادئ العقيدة، وأصول العبادات من صلاة وصيام، كما يُنفّر من قبيح الأخلاق والأهواء. ويكون ذلك بالترغيب أولا، وقد يصاحبه بعض الإلزام أو الشدة أحيانا أخرى، لكنها الشدة المصحوبة بالمحبة والشفقة على الغير والتي يزكيها جهل الطفل بمصلحته العاجلة وكذلك الآجلة. قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي: " فكذلك عليهم أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم، ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون من ذلك جوارحهم."[2]

وقد تضمنت نصوص الكتاب والسنة نماذج من التلقين، تدرّجت من التوجيه العابر إلى النهي والمنع من ارتكاب بعض ما لا يُحمد. قال الله تعالى:  {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } [طه: 132]، وكان النبي عليه السلام يتفقد أهله وأبناءه ويوقظهم للصلاة، ووجه المسلمين لحث الأبناء على إقامتها وزجرهم عن التهاون فيها فقال فيما رواه أبو داود عن سيرة بن معبد الجهني - رضي الله عنه -: «مُروا الصَّبيَّ بالصلاة إذا بَلَغ سَبْعَ سِنين ، فإذا بلغ عَشْرَ سنين فاضرِبُوه عليها »[3].  واقتدى الصحابة بالنبي عليه السلام فتسابقوا إلى تعليم أبنائهم بعض العبادات وتدريبهم عليها ولو كان فيها بعض المشقة المحتملة.

فقد كان عمر رضي الله عنه يؤكد لأصحابه أهمية الصلاة، ويوصي الولاة بإقامتها للناس، والحفاظ على أوقاتها. وكان يوقظ أهله وأبناءه للصلاة  في الثلث الأخير من الليل عند اقتراب وقت آذان الفجر. روى مالك عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - : أن أباه عمر بن الخطاب: « كان يُصلِّي من الليل ما شاء الله ، حتى إذا كان من آخر الليل أَيْقَظَ أهلَهُ للصلاة، يقول لهم : الصلاةَ ، الصلاةَ ، ثم يتلو هذه الآية : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْهَا ، لا نَسْأَلُكَ رِزْقا ، نَحْنُ نَرْزُقُكَ ، وَالعَاقِبَةُ للتَّقْوى } [طه : 132] »[4]، فهو لا يرهقهم بقيام الليل كله الذي هو رغيبة وفضيلة، لكنه يوقظهم عند اقتراب موعد صلاة الصبح.

أما بالنسبة لصوم رمضان فقد درج المسلمون على تعليمه لأبنائهم، وتدريبهم عليه منذ الصغر. روى البخاري عن الرُّبَيِّع بنتِ مُعَوِّذ - رضي الله عنها - : قالت : « أرسل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- غداة عاشوراء إِلى قُرى الأنصار التي حول المدينة : من كان أصبح صائما فليُتمَّ صومَهُ ، ومن كان مُفْطِرا فليتمَّ بقية يومه ، فكُنَّا بعد ذلك نصومه ونصوِّمُه صبيانَنَا الصِّغار ، ونذهب إلى المسجد ، فنجعل لهم اللُّعبةَ من العِهن ، فإذا بكى أحدهم أعطيناها إياه ، حتى يكون الإفطار». وفي رواية أخرى:« فإذا سألونا الطعامَ أعطيناهم اللُّعبةَ ، نُلهِيهم بها حتى يُتِمُّوا صومَهم»[5]. ورأى ابن حجر أن الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام[6].

وفي مجال العلاقات الاجتماعية والآداب العامة كان النبي عليه السلام يُقيد حرية أبنائه وأقاربه ويعلمهم حسن التصرف في المجتمع. روى البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة -رضي اللَّه عنهما –( ربيب رسول الله ) قال : «كنتُ غُلاما في حجْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وكانت يَدي تطيشُ في الصحفَة ، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ياغلامُ ، سَمَّ اللَّه ، وكلْ بيمينك ، وكلْ مما يلَيك ، فما زالتْ تلك طِعْمَتي بعدُ»[7]. وقد يصل الأمر إلى الزجر حين يتعلق الأمر بمسألة لا تحل كما فعل النبي عليه السلام مع الحسن حين أخذ تمرة من الصدقة وجعلها في فيه  فقال له : «: كِخْ ، كِخْ ، إِرْمِ بها ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لا نأكل الصدقة ؟»[8].

ويتأكد الحزم والاحتياط حين ترتبط المخالفة بما له صلة بالغريزة الجنسية التي قد تُخرج الشاب عن الاستقامة، وتستدرجه للوقوع في الفاحشة. ويشهد لذلك قصة الفضل  ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم– وكان غلاما وسيما- والذي كان رديف النبي عليه السلام في الحج، حين جاءت شابة وضيئة تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج عن أبيها، وطفق الفصل ينظر إليها :" ... فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُر."[9] وحين عاتب العباس النبي عليه السلام على ما فعله بابن أخيه بيّن عليه السلام له أن مقصد المنع من إدمان النظر إبعاد الفتنة عن الشاب والشابة، والخوف عليهما من الغواية : "رأيتُ شابّا وشَابَّة ، فلم آمَنِ الشيَّطَانَ عليهما"[10].

ففي هذه القصة ونظيراتها مشروعية قيام الآباء والقائمين على التربية بتقييد تصرفات المتعلمين ومنعهم منها عند الاقتضاء، وقد لا يفهم الطفل مغزى المنع لكنه يُسلّم به اعتبارا لمكانة المربي ولتحققه من إرادته الخير به. وقد تقرر عند علمائنا أن التكليف مرتبط بالبلوغ، وما يتعلمه الطفل قبل البلوغ هو تدريب على الأعمال الصالحة وعلى قيم المجتمع. أما قبله فلا يؤاخذ الطفل بأعماله، وقرر جمهور العلماء أن من مات من الأطفال قبل البلوغ فهو في الجنة، واستدلوا بحديث الولادة على الفطرة، والذي يؤكد أن الانحراف والزيغ يكون بسبب التأثير الخارجي اللاحق. قال ابن حجر:" المراد من التركيب أن الكفر ليس من ذات المولود ومقتضى طبعه بل إنما حصل بسبب خارجي فإن سلم من ذلك السبب استمر على الحق وهذا يقوي المذهب الصحيح في تأويل الفطرة"[11].

 

 


[1] صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين.

[2]  متن الرسالة، ابن أبي زيد القيرواني، ص 9.

[3]  سنن أبي داوود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة.

[4]  الموطأ، كتاب النداء للصلاة، باب ما جاء في صلاة الليل.

[5] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم الصبيان.

[6]  أنظر شرح الحديث السابق في الفتح.

[7]  صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام.

[8]  صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب ما يذكر في الصدقة.

[9] صحيح البخاري ، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله.

[10]  سنن الترمذي عن علي بن أبي طالب، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف.

[11]  فتح الباري، ابن حجر، كتاب الجنائز،  باب ما قيل  في  أولاد المشركين.