القسم : مقالات
التاريخ : 2018/03/06

 

قال أحد الإخوة موجها السؤال التالي: 

أحب أن أسأل عن عبارة أسمعها كثيرا، يقولون "صححه الألباني"، وغالبا من يستشهد بهذا لا أسمع منه "ورد في صحيح مسلم أو البخاري"، فما العمل الذي عمله الشيخ الألباني على الأحاديث؟ وهل يغني صحيحه عن الكتب الخمسة؟ وهل يتضارب هذا مع ما قد تعلمته بالضرورة من أنه لا يجوز تصحيح المتأخرين!!. 

وتساءل آخرون: هل يكفي أن نقول ":الحديث المذكور قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صححه الألباني"؟!.

أقول وبالله التوفيق: 

لمعرفة ما عمله الشيخ رحمه الله لا بد من تمهيد يتضح منه المقصود بإذن الله تعالى ، فأقول: 

علم الحديث ينقسم إلى قسمين رئيسيين: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية. 

علم الحديث رواية هو العناية برواية المرويات الحديثية مع العناية بضبط السند والمتن، بغض النظر عن كون المروي صحيحا أو غير صحيح. 

فالذي يُعنى بقراءة كتب الحديث على الشيوخ ـ بشروط القراءة التي نص عليها أئمة الحديث ـ مثلا هو من أهل الرواية. 

وعلم الحديث دراية هو العناية بتمييز الصحيح عن الضعيف بما يشمل الجرح والتعديل ومعرفة الاتصال والإرسال الجلي والخفي والعلل والشذوذ. 

وهذان شيء وفقه الحديث شيء آخر وإن كانت معرفة الفقه ـ إلى جانب التفسير والتاريخ واللغة وغيرها من العلوم ـ مما يعين المحدث في عملية النقد الحديثي. 

أئمة المحدثين منهم من عُرف بالرواية كأبي داود الطيالسي وابن ماجه وابن شاهين، ومنهم من اشتهر بالدراية كيحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وأبي حاتم الرازي، ومنهم من عُرف بالرواية والدراية كابن حنبل والبخاري ومسلم والنسائي والدارقطني. 

ـ استمرت الرواية فترة من الزمن بعد الأئمة الكبار، كما ضعُفت معرفة الدراية بعدهم، ثم كادت أن تـُهجر منذ قرون، حيث لم يعد يتكلم أحد من علماء الأمة الإسلامية في الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف سوى النزر اليسير. 

ـ ممن كان له اشتغال بالدراية أحد علماء مصر في القرن الرابع عشر الهجري، وهو الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله والمتوفى عام 1377، الموافق 1958، فقد اشتغل بالجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف، على منهج تساهلي بعيد عن معرفة دقائق هذا العلم. 

تعلم الشيخ الألباني علم الدراية من إدمان المطالعة في كتب وتحقيقات الشيخ أحمد محمد شاكر، فورث منه المذهب التساهلي، لكن له وقفات أجاد فيها مما لا يتنبه شيخه لمثلها غالبا. 

ـ من عيوب المنهج التساهلي أنه يوقع صاحبه في تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، وأحيانا الموضوعة. 

ـ أكثر من ينكرون على الشيخ الألباني عمله ـ فيما أعلم ـ هم ممن يرون عدم جواز الاشتغال بعملية التصحيح والتضعيف منذ قرون مديدة، بغض النظر عما إذا كان المشتغل بهذا يرى أن أحكامه هي الصحيحة وأن كل من لا يأخذ بها هو على خلاف السنة أو فيما إذا كان لا يرى ذلك، وحيث إن الشيخ عفا الله عنه كثيرا ما اشتد نكيره على مخالفيه فإن الهوة والجفوة بينه وبينهم كانت ـ حسب علمي ـ في اتساع مستمر. 

ـ علم الحديث دراية من الممكن إحياء ما اندرس منه وإعادة دراسة المرويات الحديثية على منهج كبار الأئمة، أما الذين يقولون بعدم جواز التصحيح والتضعيف في الأعصار المتأخرة فهم متأثرون بإقفال باب الاجتهاد بإطلاق، ولكن المتأمل يرى أن فضل الله عظيم ومدده لا ينقطع، فمن آنس من نفسه أنه أهل لهذه المرتبة فليدْلِ بدلوه، وأهل العلم المستنيرون بأنوار كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ينظرون فيما قدَّم ويرون فيه رأيهم. 

وهو ـ عندي ـ أمر حسن، لكن له شروط: 

منها أن يتحلى الباحث بالموضوعية في البحث بعيدا عن حظ النفس والأهواء الجلية والخفية، ومنها أن لا يجرح من لا يتفق معهم تجريحا شخصيا وأن يحاول التماس العذر لهم ما أمكن. 

ـ هل حكـْم الشيخ بتصحيح حديث أو تضعيفه هو أدق مما قاله العلماء السابقون؟ 

قد يكون في بعض الأحيان نعم وقد يكون في كثير منها لا، والواجب على العالم أن يعيد البحث فقد يظهر له خلاف ما ظهر للشيخ. 

ولا بد ههنا من التفريق بين حالتين: 

الأولى أن يكون الحكم في درجة الحديث للعلماء السابقين بمعنى كبار الأئمة من المتقدمين، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يكون حكمه أدق. 

الثانية أن لا يكون للأئمة المتقدمين كلام في حديث ما ويصححه من وقفنا على كلامهم من المتأخرين كالسيوطي والمناوي ونحوهما ويحكم هو بتضعيفه، وفي هذه الحالة قد يكون قوله هو الصواب دونهم. 

أما الذي ليس له باع في الدراية الحديثية فليقلدْ من يغلب على ظنه أنه أعلم وأتقى. 

ـ لا يغني تصحيح الشيخ عن معرفة قول غيره من أهل العلم، ولا ينبغي أن يُقالَ "صححه الألباني" وتـُترك كلمة "رواه البخاري" أو "رواه مسلم" مثلا. 

ومما يحسُن إيراده أن كثيرين ينقلون أحكام الترمذي على الأحاديث والمصلحاتُ بينهم متفاوتة، فالترمذي من المتقدمين وهم من المتأخرين، وإذا رأوا قول الترمذي "هذا حديث حسن غريب" قالوا حسنه الترمذي!!، وهذا غير صحيح، لأنه بهذا قد حسنه واستغربه، أو نقول حسنه مع الاستغراب، وهذه مختلفة تماما عما إذا حسنه الترمذي بإطلاق. فتنبه. 

* إيضاح: 

الشيخ له بعض الأوهام والأخطاء في كتبه لا تـُحتمل: 

ـ فمنها أنه صحح حديث "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" وقال عن إسناده الذي رواه به الخطيب البغدادي في كتابه موضح أوهام الجمع والتفريق: "رجاله ثقات غير علي بن حمزة العلوي، ولم أجد له ترجمة"!!. 

قلت في كشف المعلول: "في هذا السند أبو المفضل الشيباني محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن البهلول بن همام بن المطلب: متهم بالكذب والوضع، اتهمه الدارقطني وحمزة بن محمد الدقاق وأبو القاسم الأزهري والخطيب البغدادي، توفي سنة 387، انظر: تاريخ بغداد". [انظر: كشف المعلول مما سمي بسلسلة الأحاديث الصحيحة لكاتبه صلاح الدين الإدلبي، الحديث 18]. 

وانظر ترجمة أبي المفضل الشيباني في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وتاريخ دمشق لابن عساكر وميزان الاعتدال للذهبي ولسان الميزان لابن حجر، وقد قال فيه الخطيب البغدادي: "كان يروي غرائب الحديث وسؤالات الشيوخ، فكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، ثم بان كذبه فمزقوا حديثه، وأبطلوا روايته، وكان بعدُ يضع الأحاديث للرافضة". وقال حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق: "كان يضع الحديث". وقال أبو القاسم الأزهري شيخ الخطيب البغدادي: "كان أبو المفضل دجالا كذابا". 

ـ ومنها أنه صحح حديث "من أخذ على تعليم القرآن قوسا قلده الله قوسا من نار يوم القيامة"!!، وقد حكم الإمامان الحافظان يحيى بن سعيد القطان وابن عبد البر بأنه منكر، وقال أبو عبد الله الحاكم عنه: "يُقال إنه حديث موضوع". [انظر: كشف المعلول مما سمي بسلسلة الأحاديث الصحيحة لكاتبه صلاح الدين الإدلبي، الحديث 15]. 

ـ ومنها أنه صحح الحديث الوارد في الجمع بين الصلاتين جمعَ تقديم!! وقد أعله سبعة من الأئمة، وهم البخاري وأبو حاتم الرازي وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي والخطيب البغدادي. 

قال أبو حاتم الرازي عن الراوي الذي تفرد برواية هذا الحديث: "الذي عندي أنه دخل له حديث في حديث". وقال أبو داود: "هذا حديث منكر". وقال أبو عبد الله الحاكم في معرفة علوم الحديث: "هو شاذ الإسناد والمتن". ثم قال عنه: "موضوع". وقال الخطيب البغدادي: "هو منكر جداً. [انظر: كشف المعلول مما سمي بسلسلة الأحاديث الصحيحة لكاتبه صلاح الدين الإدلبي، الحديث 9، وانظر الطبعة الجديدة منه مع وقفات مع بعض الباحثين: وقفات مع الباحث الثالث، الوقفة 18]. 

ـ ومنها أنه صحح حديث "إن يعشْ هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" بهذا اللفظ!!. 

وهو بهذا اللفظ من باب الرواية بالمعنى، لكنه مما وهِم فيه راويه وتغير فيه المعنى، فلا تصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، واللفظ الثابت هو ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه متى الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: "إن يعشْ هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم". 

وقد منَّ علي المولى الجليل سبحانه وتعالى بأن وفقني لكتابة بحث خاص حول روايات هذا الحديث وألفاظه، مع إيضاح منهج الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما في اختيار اللفظ الذي يريان صحته دون غيره من ألفاظ الحديث، فلله الحمد والمنة. 

ـ اللهم اهدنا لما اختـُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. 

وكتبه صلاح الدين الإدلبي يوم الأربعاء 15/ 11/ 1435، الموافق 10/ 9/ 2014، سوى بعض الإضافات اليسيرة، والحمد لله رب العالمين. 

نقلا عن موقع رابطة العلماء السوريين