القسم : مقالات عدد القراء : 117
التاريخ : 2018/03/13

               موضوع هذا المقال موضوع تخصصى وربما أيضا موضوع فلسفى . رأيت أن أدرسه وأعالجه، لأنه يسعى إلى تصحيح النظر فى قضية كبيرة من قضايا الشريعة ومقاصدها وأولوياتها. وهى قضية تنجم عنها – بوضعها الشائع غير السليم إشكالات كثيرة فى الفقه الإسلامى ، والفكر الإسلامى ، والسلوك الإسلامى.

               والقضية هى : جلب المصالح من جهة ، ودرء المفاسد من جهة أخرى ، أيهما السابق وأيهما اللاحق ؟ أيهما يقدم وأيهما يؤخر ؟ أيهما الأصل المتبوع وأيهما الفرع التابع؟..

               وسبب آخر لتناول هذه القضية وهو أنها ذات صلة وثيقة بما قلته فى حلقات سابقة عن حاجة الحركات والأحزاب الإسلامية إلى الاجتهاد والتجديد وما ذكرته عن مشكلات الاجتهاد الفقهى المعاصر..

               من قبل ألقيتُ محاضرة بمقر ( الندوة العالمية للشباب الإسلامى ) بجدة حول التعريف بمقاصد الشريعة . وذكرت فيها كلمة عابرة حول موضوع هذا المقال. وفى ختام المحاضرة لخص المُسَّير بعض ما جاء فيها ، ثم قال : ولكن المُحاضر قلب علينا الطاولة ،  لقد كنا نعتقد أن ” درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” ولكنه أتانا بعكس ذلك ! فقلت فى نفسى : أماَّ : هذا فقد فهم المقصود . فعلا ، لقد فهم الإشارة وأحسن العبارة.

               نعم هناك قاعدة شهيرة ومسلمة – أو شبه مسلمة – فى الفقه الإسلامى ، بل هى سيارة على ألسنة الدعاة والوعاظ وكثير من الناس ، وهى قاعدة ” درء المفاسد مقدم على جلب المصالح “.

               وهى تعنى أن المكلف إذا كان بصدد جلب مصلحة لكن تلازمها أو تعترضها مفسدة فليترك تلك المصلحة حتى لا يقع فى المفسدة الملازمة لها. وهكذا كلما اختلطت علينا المصالح بالمفاسد ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح … ، أى أن الأولوية للسلامة من المفاسد والمحظورات ، ولو بالتضحية بالمصالح والمشروعات . ويعبر عن هذه القاعدة بعبارات أخرى مثل قولهم ” الاجتناب مقدم على الاجتلاب ” أى اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح.

               ومما يستدل به على هذه القاعدة الحديث النبوى المتفق عليه : ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ). فالحديث جازم فى ضرورة اجتناب كافة المنهيات ، بينما المأمورات خففها وعلقها بالاستطاعة.

               والحقيقة أن الاجتناب إنما كان لازما فى جميع المنهيات ، لكون الاجتناب دائما فى الإمكان وفى المستطاع لأنه عبارة عن الإمساك وعدم الفعل . وعدم الفعل يستطيعه الجميع فلا يحتاج إلى قدرة أو جهد ، أو سعى أو وسائل .. بخلاف المأمورات فهى بحاجة إلى جهد وسعى وبذل ، ووسائل وإمكانات .. وكل هذا قد يكون بالإمكان وقد لا يكون ، ولذلك علقت الأوامر بالاستطاعة.

               فليس فى الحديث دلالة صريحة ولا صحيحة على أفضلية درء المفاسد على جلب المصالح وليس فيه دلالة على أولوية الاجتناب .

               وقد تناول أبن تيمية هذه القضية فى بحث فلسفى عميق ومفصل ، قال فى مطلعه ( قاعدة ) فى أن جنس فعل المأموريه به اعظم من جنس ترك المنهى عنه ، وأن جنس ترك المأموريه أعظم من جنس فعل المنهى عنه ، وأن مثوبة بنى ىدم على أداء الوجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات ، وأن عقوبتهم على فعل المحرمات ( مجموع الفتاوى ( 20/85).

               وقد استدل رحمه الله على هذه القاعدة من وجوه عديدة أوصلها إلى اثنين وعشرين وجها ، وفى كل وجه عدد من الأدلة : ( مما يبين أن اتباع المر أصل عام ، وأن اجتناب المنهى عنه فرع خاص ) ويؤكد ( ان فعل المأمور به  أصل وهو المقصود وأن ترك المنهى عنه فرع وهو التابع ).( مجموع الفتاوى 20/116).

               ومما يستدل به القائلون بأفضلية اجتناب المنهيات والمفاسد كون التقوى – وهى عماد الدين وجماعه عبارة عن التوقى والاجتناب للمعاصى والمنكرات والمفاسد ، وعلى هذا فالخير كله فى الاجتناب.

               وقد رد عليهم ابن تيمية ردا مطولا وبليغا ، قال فى بدايته : ( ومن الذى قال : إن التقوى مجرد ترك السيئات ، بل التقوى كما فسرها الأولون والآخرون ): فعل ما امرت به وترك ما نهيت عنه. كما قال طلق بن حبيب لما وقعت الفتنة : اتقوها بالتقوى قالوا وما التقوى ؟ قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ، ترجو ثواب الله . وأن تترك معصية الله ، على تور من الله تخاف عذاب الله.

               وقد قال تعالى فى أكبر سورة فى القرآن : ( الم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )  البقرة : 1-3

               فوصف المتقين بفعل المأمور به من الإيمان والعمل الصالح من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وقال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة : 21.

                وقال : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) البقرة : 177 .

               وهذه الآية عظيمة جليلة القدر من اعظم آى القرآن وأجمعه لأمر الدين . وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن خصال الإيمان فنزلت .. وقد دلت على أمور :

               أحدها : أنه أخبر أن الفاعلين لهذه الأمور هم المتقون ، وعامة هذه الأمور فعل مأمور به.

                الثانى : أنه أخبر أن هذه الأمور هى البر وأهلها هم الصادقون ، يعنى فى قوله: (مَنْ آمَنَ ).

وعامتها أمور وجودية هى أفعال مأمور بها . فعلم أ المأمور به أدخل فى البر والتقوى والإيمان من عدم المنهى عنه .  وبهذه الأسماء الثلاثة استحقت الجنة كما قال تعالى : (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) الإنفطار : 13 ، 14 .

وقال : ( أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ص: 28.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ) القمر : 54.

وقال : (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لّا يَسْتَوُونَ ) السجده : 18 .

أ هـ ( مجموع الفتاوى 20 / 133 ).

               وقبل ابن تيمية نجد الفخر الرازى – المفسر الأصولى المتكلم ؟ يسجل تنبيها عميقا عند تفسيره آية الحديد ( من سورة الحديد ) حيث قال رحمه الله : ( مدار التكليف على أمرين : أحدهما : فعل ما ينبغى فعله . والثانى ترك ما ينبغى تركه ، والأول هو المقصود بالذات ، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد لأن الترك كان حاصلاً فى الأزل).

               يعنى : لو كان القصد الأساسى من الخلق ومن التكاليف هو ترك المنهيات واجتناب الفاسد ، لكان أفضل تحقيق لذلك هو عدم خلق البشر. ومعنى هذا أن الناس خلقوا اساسا ليفعلوا لا ليجتنبوا .. وإنما يجب اجتناب المنهيات ومفاسدها ، بسبب ضررها بالمأمورات ومصالحها . وهذا ما عبر عنه ابن تيمية بقوله : ( فعل المأمور به أصل ، وهو المقصود وأن ترك المنهى عنه فرع ، وهو التابع ).

               ومن لطائف التشبيهات للمسالة ، ما قاله الرازى عند تفسير قوله تعالى :(رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )   النساء : 165.

               حيث قال : ( وإنما قدم البشارة على الإنذار ، لأن البشارة تجرى مجرى حفظ الصحة ، والإنذار يجرى مجرى إزالة المرض . ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثانى فلا جرم وجب تقديمه فى الذكر ). وهى الفكرة التى فصلها ابن تيمية وابن القيم ، حين اعتبرا أن الأوامر والمصالح بمثابة الغذاء ، وأن اجتناب الناهى والمفاسد بمثابة الحمية والدواء . ولا شك فى أولوية الغذاء ، وأنه هو الصل فى صحة الإنسان وقيام حياته ، وأن الحمية والدواء فرع واستثناء.

التخلية قبل التحلية

               هذه القولة شائعة فى الثقافة الإسلامية وهى حجة ومحجة عند عامة المسلمين ، بسبب كثرة ترديدها والتسليم بها ، خاصة عند الدعاة والوعاظ وأهل التربية والتزكية.

               ومقصودهم بها : أن تخليص الإنسان من المفاسد والأدران والآفات ، سابق ومقدم على تحليته وتزكيته بالفضائل والمحاسن. وهذا يستدعى بدء الدعوة والإصلاح والتربية ، بالتخلية عن المفاسد والمنكرات والانحرافات … أى : مواجهة المفاسد أولاً وإزالة المفاسد أولاً . ثم بعد ذلك تأتى المصالح والخصال الحميدة، فتغرس فى أرض طيبة نقية.

               ومن أقوالهم فى ذلك : ( أزل الموانع أولاً ، ثم أثبت. فأولاً فرغ قلبك من كل خشية لغير الله ، ثم مكن خشية الله من قلبك ، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلاً ، فإذا كان المحل قابلاً فحينئذ يكون الوارد عليه وارداً على شئ لا ممانعة فيه).

               وقالوا : ( رهبوت خير من رحموت ، أى لأن ترهب خير من أن ترحم ، وذلك لأن التخلية قبل التحلية).

               وقال بعضهم  فى توجيهاته لطلاب العلم : ( التخلية قبل التحلية : ينبغى لطالب العلم أن يتهيأ لطلب العلم بتطهير قلبه التخلية قبل التحلية : ينبغى لطالب العلم أن يتهيأ لطلب العلم بتطهير قلبه من الغش والغل والحسد ، وفساد المعتقد ، وسوء الخلق ، ليصبح أهلا لطلب العلم وقبوله ، فإن القلوب تطيب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة).

               وأنا أتساءل : إذا كان الإنسان قبل أن يتهيأ لتلقى العلم الشريف ، عليه أولا أن يكون قد تطهر من الغش ، والغل والحسد وفساد المعتقد وسوء الخلق فماذا بقى أن يستفيده من تلقى هذا العلم ؟ وإذا لم يكن العلم هو الذى يطهره من كل هذا فما جدوى هذا العلم ؟

                (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ  ) هود : 114

               وقد دلت أداة الشرع الصحيحة على أن التحلية هى التى تحقق التخلية أو تساعد عليها ، وأن استنبات المصالح والفضائل هو الذى يمكن من دفع المفاسد والرذائل ، وأن إظهار الحق وإثباته هو الذى يطرد الباطل ، وأن الحسنات هى التى تزيل السيئات.

               قال الله عز وجل :(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا )  الإسراء : 81

               وقال سبحانه : (  وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ  ) هود : 114

               فالحسنات لا تنتظر التخلية وإفراغ المكان لها بل هى التى تنجز التخلية بوجودها ، وهى التى تزيل السيئات وتحل محلها.

               وكذلك الصلاة ، لا تنتظر أن يتطهر الإنسان من الفواحش والمعاصى ، قبل أن يقدم عليها بل هى التى تطهره بعد ممارستها والتلبس بها: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت : 45

وكذلك الصيام لا ينتظر حتى تتحقق له التخلية بل هو صاحبها . فالتحلى بالصيام هو سبيل التخلية ووسيلتها:  (   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة : 183

               والزكاة أيضا : تتحقق وتنفذ أولا ، ثم هى التى تطهر وتنقى وتزكى أى تنجز التخلية والتحلية معا لأن هذا بعض من مقاصدها وحكمة مشروعيتها. قال تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) التوبة : 103

فالتطهير يحصل بها ومعها لا قبلها.

إنجاز البدائل مقدم على مقاومة الرذائل

               من المعلوم – كما يقول ابن تيمية وغيره من العلماء – ( أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ). وهذا هو المقصود بالعبارة الأخرى ، الأكثر اختصارا واشتهارا وهى : ( جلب المصالح ودرء المفاسد ).

               وقد بينت فى أول كلامى أن تحصيل المصالح وتكميلها هو الغرض الأصلى الأساسى ، وأن ( تعطيل المفاسد وتقليلها ) ، إنما هو فرع متمم ومرمم لإقامة المصالح وتمامها ودوامها وبينت أن ما هو سائد من القول بأولوية درء المفاسد على جلب المصالح ، وأن الاجتناب أولى من الاجتلاب وأن التخلية سابقعة على التحلية… هى مقولات غير صحيحة وغير مسلمة.

               وهذه القضية تناولها بعض العلماء من زاوية آخرى وتحت اسم آخر كما فى قول الشاطبى عن طريقة الشرع فى رعاية المصالح وحفظها : ( والحفظ لها يكون بأمرين : أحدهما : ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها . وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوحود. والثانى : ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها ، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم ) أ هـ ( الموافقات 2/8).

               فإذاً الشطر الأول والأساسى لحفظ المصالح هو ( ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها ) فهو صاحب الأسبقية والأولوية . ثم بعد ذلك فى الأهمية والأولوية ، يأتى ( ما يدرأ الاختلال الواقع أو المتوقع فيها).

               والذى نراه اليوم أن كثيرا من الدعاة والجماعات والأحزاب الاسلامية ما زالوا أسرى لنظرية ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، والتخلية تسبق التحلية ) يظهر ذلك فى شدة الانشغال والاشتغال بالمواجهة مع : المنكرات ، والانحرافات ، والطواغيت ، والبدع والمعاصى ، والمفاسد ، .. ومع الجاهلية والعلمانية والصهيونية والإباحية والدكتاتورية..

               وأنا لا أنكر ولا أعارض – من حيث المبدأ – الانشغال والاشتغال بأى شئ مما ذكر ولكنى أقول : إن ذلك كله فرع من قضيتنا الأصلية ، وليس هو القضية الأصلية ، ولا هو شطرها الأكبر ولا هو صاحب الأسبقية والأولوية.

القضية الأصلية ، ذات الأسبقية والأولوية هى بناء المصالح وتكميلها هى تحقيق الأعمال الإيجابية أو الوجودية بتعبير ابن تيمية ، أوهى الحفظ الوجودى بتعبير الشاطبى . فلو أن هذه القضية الفرعية – قضية درء المفاسد ومحاربتها – أخذت ربع عنايتنا وجهودنا وانشغالاتنا ، لكان هذا كثيرا ، ولو أخذت أقل من ذلك لكان أفضل…

               لنتأمل هذه الآيات الكريمة ، ولننظر فى المعانى والتكاليف الجامعة ، التى توجهنا إليها وتحثنا عليها:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) الإسراء : 9،

                (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ  ) المؤمنون : 51 ، 52

                (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء : 73

                (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) الحج : 77 ، 78

                (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك : 2

                (وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) العصر

               وحتى سورة الفاتحة ، وهى أم الكتاب ، ونظل نقرؤها ونصلى بها ، لو تدبرناها ، لوجدنا أنها خصصت ست آيات ونصف الآية للأعمال الإيجابية ( المصالح ) ، وخصصت نصف آيتها الأخيرة للتنفير من التوجه السلبى العدمى ( أى المفاسد ) وهو قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) الفاتحة : 7)

               وأما فى مجال العمل الدعوى والإصلاحى خاصة ، فإن من أبرز عناوينه ومداخله : ( الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ). وهما متلازمان غالبا فى الخطاب الشرعى ، ولكن من المعلوم قطعا أن الأمر بالمعروف دائما متقدم على النهى عن المنكر.والآية الجامعة فى هذا الباب وهى قوله عز وجل : ( **) آل عمران : 104

               دالة دلالة واضحة على كل ما تقدم فالرسالة المحمدية والرسالة الإصلاحية تتضمن ثلاثة عناصر هى :

1.الدعوة إلى الخير

2.الأمر بالمعروف

3.النهى عن المنكر

               وهذه العناصر عادة ما تتزامن وتتداخل ولكن الترتيب المطرد فى النصوص الشرعية الكثيرة يدل على الأسبقية والأولوية بصفة عامة.

               وهذا واضح كذلك فى الآية الجامعة التى تتحدث عن المضامين والخصائص الكبرى للبعثة المحمدية ، وذلك قوله تعالى : (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف : 156 ، 157

               وأيضا فإن النظر والتأمل فى الخطوات الأولى للبعثة النبوية ، فيها إشارات ودلالات هادية . فمعلوم أن أول ما نزل من الهدى والنور :

               قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ) العلق 1، 5

               وقوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا ، نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) المزمل 1 – 4

               وبعد ذلك بدأت المزاوجة بين الأمر والنهى كما فى قوله عز وجل : (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ، وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) المدثر 1 :7

               وقبل هذا كله نجد ما ذكرته السيدة خديجة رضى الله عنها ، بعد الرجة والرجفة التى أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عند أول وحى نزل عليه ، فقالت له : ( والله ما يخزيك الله ابدا إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل وتكسب المعدوم ، وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق).

               ومعنى هذا أن الرسول الكريم عليه السلام كان صاحب إنجازات تأسيسية وتمهيدية بين يدى بعثته وكلها كانت من جنس جلب المصالح ، لا من جنس درء المفاسد.

               وهذا يذكرنا بقوله عليه السلام : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) ودلالته واضحة فى الموضوع..

               فهذا هو دأب الأنبياء جميعا : جاءوا أساسا وأصالة بالتأسيس والبناء والتشييد أى بالمصالح وعمل الصالحات كما تقدم فى الآيات ، وكما يشير إليه الحديث النبوى الشريف : ( مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه . فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلاً وضعت هذه اللبنة . قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين).

               فليس هاهنا ذكر للمفاسد أصلا لا مقدمة ولا مؤخرة وإنما ذكر البنيان والتحسين والتجميل والتتميم ، وكل ذلك مرصع ومحلى بمكارم الأخلاق.

               وهذا لا يعنى ولا أعنى به إغفال مسألة المفاسد وإخراجها من الحسبان ، ولكنه يعنى وأعنى به أنها مسألة ضمنية وفرعية وتابعة.

               وقد يأتى فى بعض الخطابات الشرعية إبراز قضية بعض المفاسد والتركيز عليها وتقديمها فى الذكر أو فى الاعتبار ، ولكن هذا منظور فيه إلى الحالات والأولويات الخاصة بسياقها وظرفها وغرضها ، مثلما قد يأتى على الإنسان المريض حين من الدهر يصبح الشغل الشاغل له ولطبيبه هو الدواء والحمية والاجتناب والحذر والاحتياط كما هو واقع لى هذه الأيام!

               كما أن هذا كله لا ينفى أن كثيرا من المفاسد والشرور قد تصل فى ضررها وخطورتها حدا يستدعى إعطاءها الأولوية فى الدفع والاجتناب ولو بتفويت بعض المصالح التى تحتمل التفويت . فهذا معلوم ومسلم ولكن الغرض الآن هو تقرير الأصل والوضع الأصلى . وهو الأصل الذى يوضحه ويؤكده الإمام الشاطبى فى هذا النص النفيس . قال رحمه الله : ” الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعا فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج كالنكاح الذى يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات وكثيرا ما يلجئ إلى الدخول فى الاكتساب لهم بما لا يجوز ولكنه غير مانع لما يؤول إليه  التحرز من المفسدة المربية على توقع مفسدة التعرض ، ولو اعتبر مثل هذا فى النكاح فى مثل زماننا ، لأدى إلى إبطال أصله ، وذلك غير صحيح . وكذلك طلب العلم ، إذا كان فى طريقه مناكر يسمعها ويراها وشهود الجنائز وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرضى فلا يخرج هذا العارض تلك الأمور عن أصولها ، لأنها أصول الدين وقواعد المصالح وهو المفهوم من مقاصد الشارع فيجب فهمها حق الفهم فإنها مثار اختلاف وتنازع ) .. ( الموافقات 4/210 – 211)

               وختاما .. وباستصحاب ما قلناه قديماً وحديثاً – فى أكثر من مكان وفى أكثر من مقال – حول الحاجة إلى الاجتهاد والتجديد ، وخاصة لدى الحركات الساعية إلى البناء والإصلاح على أسس ومنطقات إسلامية، فإن إعادة ترتيب الأولويات بصفة عامة . وقضية التقديم والتأخير بين الاشتغال بتحصيل المصالح ، والاشتغال بمحاربة المفاسد تبدو قضية ملحة وعاجلة حتى لا يستمر تقديم العربة على الحصان ولو فى بعض الأحيان.ومقتضى هذا أن تعطى العناية والأولوية للأعمال والمبادرات والمشاريع الإيجابية البناءة والمفيدة ولو اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعا على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج ” على حد تعبير الشاطبى .

               كما أن هذا النهج سيقتضى حتما تقليصاً فى مقدار الاشتغال بمحاربة المفاسد والرذائل ، لفائدة إنجاز المصالح البدائل.

               إن القيمة الحقيقية أو القيمة المضافة لأعمالنا وجهودنا هى أن نوقد شمعة لا أن نلعن الظلام. فلعن الظلام يحسنه كل أحد ، ويمارسه كل أحد.

               للأسف ، فإن كثيرا من الحركات والأحزاب الإسلامية ، قد حشرت ، أو حشرت نفسها ، فى مربع المعرضة ، وفى منطق المعارضة ، بمعناه الديموقراطى الحزبى التقليدى . ومنطق المعارضة هذا يلزمك أن تقف دائما بالمرصاد لكى تنتقد وتستنكر وتدين وتستهجن وتقاوم وتعارض وتفضح وتسب وتلعن..

               الاشتغال بالمعارضة والمناهضة ينبغى أن يكون مهمة عرضية ، لا مهنة دائمة. أما الأصل الدائم ، فهو الاشتغال بالبناء والإنجاز وتحقيق المصالح والمنافع. وبالله تعالى التوفيق.