القسم : مقالات
التاريخ : 2019/07/03

        بداية ينبغي أن نحسم الجدل الأصولي الدائر في المباح؛ هل هو تكليف أو ليس بتكليف. فالذي عليه الجمهور والمحققون من علماء الأصول أن المباح معدود من الأحكام التكليفية خلافًا للكعبي ومن اقتفى أثره. ولعل السبب في جعله من الأحكام التكليفية لما يتضمنه من شائبة التكليف من حيث كونه وسيلة إلى ما تحته تكليف، بمعنى أنه خادم لما فيه تكليف إما فعلاً أو تركًا. أما إذا كان لا هذا ولا ذاك، فالذي جنح إليه الشاطبي -رحمه الله تعالى- أن المكلف قد يحاسب على المباح إما من حيث تقصيره في أداء شكره عليه، أو من حيث الحصول عليه كسبًا وتناولاً، أو من حيث الاستعانة به على التكليفات الشرعية حيث يصير خادمًا لها.[1] 

        إذن فجعل المباح من الأحكام التكليفية لا يعدو أن يرجع إلى هذه الحيثيات التي فيها شائبة التكليف، فمن ثمة غلَّبوا جانب التكليف فيه على غيره. يقول الشوكاني «وتسمية الخمسة تكليفية تغليب؛ إذ لا تكليف في الإباحة بل ولا في الندب والكراهة التنـزيهية عند الجمهور.»[2]

        والمباح قد ينتقل من رتبته إلى غيرها، وذلك لما يقع له من أمور خارجية، أعني ليست من طبيعته الذاتية الدالة على كونه مباحًا، وهي حد الوسط أو يمكن أن نطلق عليها نقطة (الصفر)؛ إذ يستوي فيها طلب الفعل وتركه؛ إذ التغيير الطارىء على المباح هو تغيير خارجي يكون في اتجاهين وسيليين، إما تقوية واجب، أو سد ذريعة مفضية إلى محرم. وهذا الذي قررته ههنا هو الذي بسط القول فيه الغزالي، فذهب إلى أن الاستكثار والاسترسال وراء المباحات قد يصيِّرها صغيرة، فقال: «وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة، فكذلك بعض المباحات بالمداومة تصير صغيرة.»[3]

        وبه جزم الشاطبي بعبارة محررة ودقيقة، فنص على أن «المباح يصير غير مباح بالمقاصد والأمور الخارجة.»[4]

        فعلى هذا الوجه يظهر بجلاء أن طروّ التغيير في رتبة المباح، حتى يصير مطلوب الفعل أو مطلوب الترك، يكون بحسب ما تكشف عنه الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة عنه، وليس ذلك واقعًا بالضرورة عند استواء طرفيه من حيث الفعل أو الترك، فإنه حينئذ يتعذر وجود التغيير. لذلك جعل ابن تيمية –رحمه الله – المباح الذي يستعان به على الطاعة، فيكون خادمًا للواجب، خيرًا من المباح الذي يكون خادمًا للشهوات وملذات النفس، قال: «فما لا يحتاج إليه من المباحات، أو يحتاج إليه ولم يصحبه إيمان يجعله حسنة، فعدمه خير من وجوده، إذا كان مع عدمه يشتغل بما هو خير منه.»[5] ووفقًا لابن تيمية فإن المكلف «ينبغي ألا يفعل من المباحات إلا ما يستعين به على الطاعة، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة.»[6]

        وتفضي الموازنة والترتيب بابن تيمية من جهة النظر في مآل المباح، وما يترتب عنه من مصلحة أو مفسدة في حق المكلف، أن يقرر أن «فضول المباح التي لا تعين على الطاعة عدمها خير من وجودها، إذا كان مع عدمها يشتغل بطاعة الله، فإنها تكون شاغلة له عن ذلك، وأما إذا قدر [العبد المكلف] أنها تشغله عما دونها فهي خير له مما دونها، وإن شغلته عن معصية الله كانت رحمة في حقه، وإن كان اشتغاله بطاعة الله خيرًا له من هذا وهذا.»[7]

        وكلام ابن تيمية هذا يشتمل على الموازنة والترتيب بين الطاعة والاشتغال بفضول المباح، ونحن نرسم من خلاله مراتب ثلاثة:

- الاشتغال بالطاعة خير من المباح الذي لا يكون عونًا عليها.

- الاشتغال بالمباح خير ممن دونه، ولعله يقصد به المكروهات كراهة تنـزيهية التي عادة لا يعيرها الناس اهتمامًا أو لا يتنـزهون عنها.

- الاشتغال بالمباح خير من الوقوع في المعصية.

        وبناء على الترتيب والموازنة بين المباح الخادم للواجب والمستعان به على الطاعة، وغيره من فضول المباح، يفرق ابن تيمية بين سبيلين: سبيل المقربين السابقين، وسبيل المقتصدين أصحاب اليمين. فالمقربون السابقون يتوسلون ويستعينون بالمباحات على الطاعات، ويقصدون ذلك ويلتزمونه. وأما المقتصدون أصحاب اليمين فهؤلاء اقتصروا على «أداء الفرائض واجتناب المحارم باطنًا وظاهرًا»[8] لكنهم لا يتوسلون بفعل المباحات إلى الطاعات والقربات، فلا جرم أن تصبح في حقهم فضولاً لا أجر فيها.

        تلك إذن وجهة نظر ابن تيمية رحمه الله، وهي تهتدي بنظرية الترتيب والموازنة، ويلحق بها منحى الشاطبي وكأني به يقتفي أثر ابن تيمية في كون المباح ينبغي أن يكون خادمًا للطاعة، ولا يبعد عندي أن يكونا معًا متأثرين بأبي الحسن الأبياري وبخاصة في كتابه (الورع)، فإن الشاطبي ما فتىء يردد بعض مقالاته،[9] فوجدنا بذلك نوعًا من التطابق بين تناول المباح عند الأبياري والشاطبي، غير أن البعد المقاصدي والنظر الاستصلاحي أعمق وأرسخ عند الشاطبي منه عند الأبياري.

        ومهما يكن من أمر فإن الشاطبي قد بلور نظرية كاملة في المباح، سبرها بمعيار الموازنة والترتيب، من ذلك أن المباح ينقسم عنده إلى ضربين: «أحدهما: أن يكون خادما لأصل ضروري، أو حاجي، أو تكميلي. والثاني: أن لا يكون كذلك. فالأول: قد يراعى من جهة ما هو خادم له، فيكون مطلوبًا ومحبوبًا فعله... والثاني: إما أن يكون خادما لما ينقض أصلاً من الأصول الثلاثة المعتبرة، أو لا يكون خادمًا لشيء...»[10]

        وهذا الضرب في أعلى المراتب؛ إذ هو خادم لما سواه من أمهات المصالح، وذلك بحسب وقوعه في إحدى مراتبها؛ أعني بذلك أن من المباحات منها ما هو خادم للضروريات، ومنها ما هو خادم للحاجيات، ومنها ما هو خادم للتكميليات أو التحسينيات. وما عدا ذلك فإنه لا يجدي، بل قد يكون مطلوب الترك في هذه الحال، لأنه بخلاف ما شرع له.

ولا يقتصر نظر أبي إسحق الشاطبي على إعمال الموازنة في دراسته للمباح من جهة علاقته بأمهات المصالح، وإنما تحمله         الموازنة على أن ينظر إليه من حيث وسيليته، وذلك بأن يتوسل به إلى غيره، سواء كان ذريعة إلى مطلوب أخروي، أو إلى محظور منهي عنه، فتكون نتيجة ذلك أن المباح يأخذ حكم ما أفضى إليه. وهذا لا يتأتى إلا بالموازنة والترتيب بين المباح في نفسه، واعتبار مآلاته، فيكون كما قرر الشاطبي نفسه مطلوب الترك، فهو إذ ذاك «من باب سد الذرائع لا من جهة كونه مباحًا.»[11] وأكد –كذلك- في موطن آخر أنه «قد يكون المباح وسيلة إلى ممنوع، فيترك من حيث هو وسيلة.»[12] إذا علم أنه سيترتب عنه مفسدة محققة أو غالبة.

         وقد أرجع الشاطبي ذلك إلى ما «يتعلق بالمباح في سوابقه، أو لواحقه، أو قرائنه، ما يصير به غير مباح»[13]. وفصل الخطاب في هذه المسألة المتعلقة بوسيلية المباح هو ما ساقه الشاطبي على نحو مجمل ومحرر في قوله: «وعلى الجملة فإذا فرض ذريعة إلى غيره، فحكمه حكم ذلك الغير.»[14]

        ويستمر الشاطبي في التدقيق في مراتب المباح والموازنة بينها، لكن هذه المرة من جهة التطرق إلى المباح من حيث كونه خادمًا لما سواه باعتبار الكلية والجزئية، ومعنى ذلك أن المباح كما أنه يتعلق بأفراد المجتمع على حدة، يتعلق –كذلك- بهم من جهة كونهم مجتمعًا، وما يتعلق بالأفراد باعتبارهم أجزاء المجتمع، فلا ينطبق بتمامه على حال كونهم يشكلون كلية المجتمع. فانبنى على إثر ذلك عند الشاطبي أن يقسم المباح باعتبار الكلية والجزئية إلى ما يلي:

- مباح بالجزء، مندوب بالكل كالتمتع بالطيبات من المأكل، والمشرب...

- مباح بالجزء، واجب بالكل كالأكل والشرب، ووطء الزوجات، والبيع والشراء...» كل هذه الأشياء مباحة بالجزء...فلو فرضنا ترك الناس كلهم ذلك، لكان تركًا لما هو من الضروريات المأمور بها. فكان الدخول فيها واجبًا بالكل.»[15]

- مباح بالجزء، مكروه بالكل ويشتمل على جميع أنواع الترفيه والتنـزه المباح.

- مباح بالجزء، محرم بالكل كالمداومة على المباحات المخرجة من العدالة.[16]

فلا جرم أن الموازنة بين هذه المراتب من جهة الكلية والجزئية، تفضي إلى القول: إن ما كان منها مباحًا بالجزء، واجبًا بالكل أعلى مرتبة من المباح بالجزء، المندوب بالكل، ذلك أن ما كان متعلقًا منها بسائر المجتمع، بحيث لا ينبغي التفريط فيه، حتى لا يعود على الضروريات بالإبطال. وكذلك الشأن فيما هو مباح بالجزء، مكروه بالكل، فإنه أدون رتبة مما هو مباح بالجزء محرم بالكل.

        إذا تقرر هذا واتضحت معالمه، فإننا في مختتم هذه المسألة، نود أن نعرج على (قاعدة تقييد المباح) لأن لها تعلقًا باعتبار المآل، ولأنها من قواعد الموازنة، ونقف هذه المرة عند مثال نرجو أن يكون صالحًا في هذا المقام؛ إذ دندن قوم حول هذه القاعدة، طالبين من ورائها إلغاء تعدد الزوجات البتة، فحسب زعمهم أن تعدد الزوجات ترتبت عنه مفاسد اجتماعية، فلا مفر منها إلا بإلغاء تشريعه ونظامه، استنادًا منهم إلى (قاعدة تقييد المباح). والحق أن هؤلاء ليسوا من الفقه وأصوله من قبيل ولا دبير، ولا في العير ولا النفير، ودعواهم هذه عريضة لا تنتهض لأمور:

- أن الحكم الشرعي وإن كان مباحًا لا يحق لأحد مهما علت سلطته، ومهما كان شأنه أن يوقف أو يلغي حكمًا شرعيًا، شرعه الله لعباده تفضلاً ومصلحة لهم، سواء أدركوا مصلحة ذلك الحكم أولم يقعوا عليها، ولم يظفروا بها. فهذا مقتضى الإيمان الدال عليه قوله تعالى: [وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا]. (الأحزاب: 36)

- أن الحاكم أو من ينوب عنه بعد استشارة العلماء الأتقياء، والخبراء الأمناء، والمختصين النـزهاء يجوز له تقييد بعض المباحات، إذا خولف بها عن مقصدها، وعادت عليه بالإبطال والنقض، وليس تقييد المباح موكولاً إلى الأفراد. فالحاكم ونوابه ومجالس الأمة وغيرهم من ذوي الشأن، هم الذين لهم صلاحية تقييد المباح لظروف معينة. فهم بمثابة الأبوين إذا منعا طفليهما من بعض المأكولات التي أفرط في أكلها حتى أضرت به، فإن هذا المنع وقائي، كما أن ذلك التقييد ظرفي وآني استصلاحي. لأن التقييد في نظري أنواع، منها ما يكون باعتبار مآل الفعل، ومنها ما يكون باعتبار حال المكلف في خاصة نفسه، من القدرة على الفعل أم لا، ومنها ما يكون باعتبار الحال العامة للمكلفين من اليسر والعسر، وبحسب زمنهم وأحوالهم في معاشهم وأخلاقهم ودينهم، حتى لا ينشأ عن استعمال المباح الشطط والزلل، فيخرج به عن مقصوده.

        ثم ينبغي أن نفرق بين التقييد والإلغاء، فأما التقييد فقد جرى العمل به منذ زمن الصحابة رضوان الله عليهم، فيدخل بذلك في السياسة الشرعية، وأما الإلغاء فلا أحد يقول به من علماء المسلمين، لأن ما أباحه الله لعباده، فلا يملك أحد كائنًا من كان إلغاءه البتة، وإلا عُدَّ آثمًا فاسقًا.

- أن الموازنة السليمة تثبت أن تعدد الزوجات أقل بكثير من تعدد الخليلات، الذي لا حد له ولا حصر، وأن مصالحه أقوم وأطهر. ولو فرضنا جدلاً أن التعدد تنشأ عنه مفاسد كما قالوا، فهلا بينوا لنا ذلك بإحصائيات ودراسات نـزيهة، وبرهنوا على ذلك بأدلة قطعية، لا ريب فيها. ومادام الأمر عاريًا عن كل البراهين والحجج. فقد ثبت بلا منازع أن القول بإلغاء تعدد الزوجات استنادًا إلى قاعدة تقييد المباح قول باطل.

        والذي نخلص إليه من هذا المبحث أننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن المباح ولئن كان الشأن فيه التوسعة على المكلفين كما يدل على ذلك لفظه،[17] فإنه بناء على نظرية الترتيب والموازنة تبين أنه مراتب ودرجات، وذلك راجع إلى القصد من إعماله، فمن ثمة انبغى للمكلف معرفة فقه المباح حتى يوقعه في محله وموطنه الذي شرع له.

نقلا عن الفكر المنهجي العلمي عند الأصوليين للمؤلف

 

 


[1] انظر الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج1، ص117.

[2] الشوكاني، إرشاد الفحول، مرجع سابق، ص23.

[3] الغزالي، الإحياء، مرجع سابق، ج2، ص308. وانظر القرافي، الفروق، مرجع سابق، ج4، ص1348. والشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج1، ص132.

[4] الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج1، ص128.

[5] ابن تيمية، الفتاوى، مرجع سابق، ج10، ص461،462.

[6] المرجع السابق، ج10، ص460،461. انظر الأشقر، عمر سليمان. مقاصد المكلفين فيما يتعبد به لرب العالمين، الأردن: دار النفائس، 1411ﻫ/1991م، ص495.

[7] المرجع السابق، ج10، ص461.

[8] المرجع السابق، ج10، ص460.

[9] قارن بين الأبياري، علي بن إسماعيل. الورع، تحقيق فاروق حمادة، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1407ﻫ/1987م، ص17. والشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج1، ص119،120،121. يكاد الشاطبي أحيانا يردد عبارات الأبياري نفسها.

[10] الشاطبي، الموافقات، مرجع سابق، ج1، ص128،129.

[11] المرجع السابق، ج1، ص113.

[12] المرجع السابق، ج1، ص120.

[13] المرجع السابق، ج1، ص114.

[14] المرجع السابق، ج1، ص114.

[15] المرجع السابق، ج1، ص131،132.

[16] انظر المرجع السابق، ج1، ص130،132، والريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، مرجع سابق، ص165،166.

[17] انظر المازري، أبا عبد الله محمد بن علي. إيضاح المحصول من برهان الأصول، تحقيق عمار الطالبي، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2001م، ص245.