الدكتور فتحي حسن ملكاوي القسم : مقالات
التاريخ : 2019/07/04

بناءُ الوَعْي بوَاقِع الفِكْر التَّربوي المُعاصر وبِضَرُورةِ إصْلاحِه الدكتور فتحي حسن ملكاوي

1.الوَعْيُ بالواقع التربوي: مفهومُه وأهميَّتُه

الوَعْيُ بالواقع حالةٌ تصف الإنسان الذي يتَّصف بهذا الوعي بأنّه يُـحيط بالواقع، ويُـميّز عناصره ومكوناته والعلاقات القائمة بينها والمؤثرات التي تؤثر فيها، ويدرك حاجة هذا الواقع إلى التغيير والإصلاح. ونحن نحتاج إلى الوعي بالواقع في ميادينه المختلفة؛ فثمة واقع سياسي، وواقع اقتصادي، وواقع تربوي، وهكذا. فالوعي إذن وصفٌ لحالة الإنسان الواعي بذاته وبـما يحيط به.

والوعي في اللغة هو الجمع والفهم والحفظ؛فالأُذُن الواعية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ليست الأذن التي أحسّت بالأصوات إحساساً مادياً، وإنَّـما الأذن التي فهمت وعقلت ما سمعت، ثم انفعلت به وانتفعت به.[1] فصيوان الأذن يَـجمع الأمواج الصوتية الواردة إليه من مصدرها، ويوجهها إلى مركز الفهم والإدراك لدلالة الصوت ومعناه، ويتفاعل مع هذا المعنى تأثُّراً وتأثيراً، ثم يحتفظ الإنسان في ذاكرته بهذا الحدث وما كان له من تأثُّر وتأثير ليستدعيه كلّما اتصل موضوعه بما له صلة به. والرسول صلّى الله عليه وسلم دعا بالخير لمن يسمع مقالته فيَعِيَها ثم يبلغها عنه.[2]

والوعي بالواقع يتضمن هذه العناصر الثلاثة: الجمع والفهم والحفظ، ويتضمن كذلك الوعي بعلاقة هذه العناصر بثلاثة عناصر أخرى، هي: الواقع كما هو، وحاجة هذا الواقع إلى التغيير، والصورة التي يراد أن تنتقل حالة الواقع إليها. وبهذا الوعي بالأمرين معاً، يمكننا أن نتحدث عمّا نسميه "الوعي المنهجي" الذي تتوفر به متطلبات التخطيط لتغيير حالة الواقع القائم نحو الواقع المنشود، ويتحدد المنهج المناسب لذلك. وبهذا النوع من التخطيط نأمل أن يتّصف سعيناً في الإصلاح التربوي، بالمنهجية السننية الهادفة، بعيداً عن ردود الفعل، وضغوط الحاجة العاجلة إلى القرار، فيكونَ البدء من حيث يلزم البدء أن يكون، وتوظَّفُ الوسائل والأساليب والإمكانات المتاحة بما يلزم من كفاءة وفاعلية، ويتّصف السعي في الإصلاح باستقامة وثباث وصبر على المعاناة حتى تتحقق الأهداف المنشودة.[3]

ومن الإنصاف أن نؤكّد حضور بعض صور هذا الوعي وبعض تمثّلاته عند أفراد من التربويينفي العالم العربي والإسلامي، لكنَّه في كثير من الأحيان وَعيٌ جزئي، لجانب من جوانب الواقع، يستند إلى الانفعال بالتخصّص العلمي أو العملي، ويقف عند حدود وصف الظاهرة، وتقدير أبعادها، ويتصف بالعفوية والتلقائية،لكنالمنشود هو الوصول بالوعي المنهجي إلى حالةٍ من الوعي الكلّيالذي يستند إلى التدبُّر الهادف، ويحتكم إلى رؤية كلية للعالم، ويُعمِل المعيار القيمي والمسؤولية الأخلاقية، ثم يتمدّد هذا الوعي في مساحاته، ويتعمّق في درجته حتى يصبح الوعي المنهجي"ثقافةً منهجيةً حيَّة"لسائر المعنيين بإصلاح واقع الأمة.

وحتى يصبح الوعي المنهجي بضرورة الإصلاح التربوي ومتطلباته "ثقافة منهجية حية" لا تخص التربويين دون غيرهم من فئات المجتمع، فلا بد من الوعي بطبيعة العلاقة بين التربية والمجتمع، وتحويل الإجماع على شدة الترابط بينهما إلى أن يكون عنصراً أساسياً في خطط الإصلاح التربوي والاجتماعي. فتطوير النظم التعليمية يتم عن طريق نظريات اجتماعية متنوعة، تتناول الحراك الاجتماعي والتوزع الطبقي، والتغيير الاجتماعي، وبرامج التنمية. ثم إن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية تؤثر تأثيراً كبيراً في صياغة أهداف المؤسسات التعليميةوهياكلها ومناهجها وممارساتها. وكثير من الدراسات التربوية تتناول النتائج التعليمية وأشكال ارتباطها بعوامل اجتماعية مختلفة كالجنس والعرق والحالة الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك.[4]

وحتى لا ندهب بعيداً في أحلام وردية، ونتخيل صورةً مثالية طوباية يصعب أن تتحقق، فإنَّ علينا أن نستدرك بالقول: إنَّ التربية عملية في غاية التعقيد تشتمل على العلم والتعلّم والتعليم، وأعقد ما فيها أنها تحتاج إلى نمو دائم وتطور مستمر، فليس ثـمة سقف للتحسين والتطوير في محتوى العلم، أو خبرات التعلّم، أو أساليب التعليم. ثم إنَّ التربية ليست نتيجة ما تقدمه مؤسسة واحدة من مؤسسات المجتمع، بل إنّ ميدان التربية هو المجتمع بمؤسساته كلِّها، ولا سيما الأسرة والمدرسة والإعلام. فالنجاج في تحقيق حالة تربوية سليمة يتطلب تكامل جهود هذه المؤسسات. ومن ثَـمَّ فليس من المتوقع أن يتحقق الإصلاح التربوي المنشود في المجتمع حين تقتصر جهود الإصلاح على التعليم المدرسي مثلاً، في الوقت الذي تهدم فيه مؤسسات المجتمع الأخرى ما يمكن أن تبنيه المدرسة، فالإصلاح عمليةٌ شاملةٌ تتناغم عناصرها وتتساند خطواتها، والإصلاح التربوي جزء من هذه العملية، لكنه الجزء الأكثر أهميةً وعمقاً.

ونحن نرى أنَّ البحث عن درجة وعي الأمة الإسلامية بحقيقة واقعها العلمي والفكري والمادي، وواقع العالم من حولها في هذه المجالات وغيرها أمرٌ مهمٌ للغاية؛ إذ من المتوقع أن يؤثر هذا الوعي في الطريقة التي تصوغ فيها الأمة نظمها التربوية والتعليمية وتطوِّر فكرها التربوي الذي يُعِدّ أجيالها لمواجهة مشكلاتها الداخلية، والمخاطر والقوى المعادية لها، ومن ثم نفهم درجة الكفاءة التي كانت الأمة تقابل بها هذه المشكلات والقوى في الحقب التاريخية المتعاقبة. كما يمكن أن يؤدي البحث في درجة الوعي هذه إلى فهم أسباب عجز نظم التعليم والتربية، التي سادت حياة الأمة في القرون الثلاثة الأخيرة، عن حماية الأمة من الوصول إلى حالة الضعف والجهل والتجزئة، التي أغرت الدول الأوروبية الصاعدة لاستعمار معظم بلاد المسلمين، وتقسيم المقسَّم منها، والاستيلاء على ثرواتها، والإعلاء من الثقافة والنظم والقيم الغربية فيها، على حساب الثقافة والنظم والقيم الإسلامية.

2.الوعي بضرورة إصلاح الواقع التربوي:

إنَّ الوعي الكامل بالظروف التي تحيط بجهود الإصلاح التربوي شرطٌ مهمٌّ في التخطيط لهذه الجهود وتقدير مستويات النجاح المنشودة في تحقيق أهدافها، لا سيما أنَّ هذه الظروف لا تقتصر على عدد محدود من القضايا التربوية أو العوامل الاجتماعية المحلية، فالعالَـم المعاصر عالَـمٌ شديدُ التعقيد، سريعُ التغَيُّر، تتجاذبه اتجاهاتٌ فكرية وقيمية متقلِّبة، ومجتمعات هذا العالَـم متشابكة، وتتبادل التأثير والتأثَّر بصورة مستمرة. ومع أنَّنا نجد في هذا العالم نظريات ونظماً سياسية واقتصادية وإدارية مختلفة، فإنّ ثَـمَّة جهوداً للأخذ ببعض الملامح العامة المشتركة التي تتضمنها اتجاهات العولمة، أو تفرضها القوى التي تقود هذه الاتجاهات، رغَبَاً أو رَهَبَاً! ولذلك فليس من السهل أن تتحدّد ملامح مجتمعاتنا القائمة اليوم واتجاهات التغيُّر فيها، دون وَعْيٍ كافٍ بالقوى المؤثرة على هذه المجتمعات. ومِنْ ثَـمَّ فليس من السهل الحكم على الفكر التربوي السائد في مجتمعات المسلمين من نظرة سطحية عاجلة.

ومع ذلك فإنَّ بإمكاننا أنْ نتحدَّث عن حضور المعاني العامة للتربية في حياة الأفراد في هذه المجتمعات؛ فثَـمَّة روحٌ كامنة تتلبَّس النفس الإسلامية اللوّامة تجعلها تحِنُّ وتتمنّى أنْ تصطبغ بتربية الإسلام قولاً وعملاً، وثَـمَّة نوازع بشرية تتلبَّس النفس الأمَّارة بالسوء وتدفعها للتخفُّف من أحكام الإسلام التربوية تماهياً مع الواقع التربوي لغير المسلمين الذي يبدو زاهياً جذاباً، ولا نعدم وجود النفس المطمئنة التي تشعر بالرضا في جهودها الحثيثة لتطبيق التوجيهات التربوية الإسلامية. وربما يفيد إجراء دراسات ميدانية تحدِّد الثُلَّة، والقليل، والكثير، من أيٍّ من هذه الفئات الثلاث في كلِّ مجتمع من مجتمعات المسلمين.

هذا عن ضرورة الوعي بواقع الفكر التربوي الإسلامي المعاصر، وهو وعي يشترط بالضرورة نوعاً آخر من الوعي، وهو الوعي بالحاجة إلىإصلاح هذا الواقع. وسوف نلاحظ أنَّ الناس قد يختلفون في مناقشاتهم حول واقع مجتمعهم وقضايا سوء الأحوال الاقتصادية، وظروف العمل والبطالة، والجدل السياسي حول قضايا سياسية محلية أو إقليمية أو دولية، لكنهم لا يختلفون حول أهمية التربية، سواءً في الطريقة التي تتأثر بها نتيجة أحوال المجتمع أو التغير الذي يمكن للتربية أن تحدثه في المجتمع.

ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن ضرورة الإصلاح في الفكر التربوي، والوعي بالعمق والتشعُّب الذي لا بد أن يرافق هذا الحديث، ولا سيما في حاجة هذا الفكر إلى استمرار التحديث والتطوير ليواصل الاستجابة لمتطلبات النمو والتطور والتغير في واقع المجتمعات الإسلامية، ولتمكين هذا الفكر من تناول الموضوعات الأساسية التي تشكل الملامح العامة المتمثّلة في النظم التربوية العامة، وما تقوم عليه من فلسفات وسياسات ونظريات واستراتيجات، واستيعاب تفاصيل النظام التربوي ومكوناته ومستوياته الإدارية والتعليمية، وما فيها من مرافق ووسائط وبرامج ومناهج وأساليب للتعليم والتقويم وغيرها.

وانطلاقاً من منهجية التكامل المعرفي التي نعتمدها في كتاباتنا، فإنَّنا نقرِّر، منذ البداية، أنّ الفكر التربوي الإسلامي المعاصر الذي نطمح إليه، لا بد من أن يستمد أهدافه وبرامجه من أربعة مصادر؛ القرآن الكريم، والسنة النبوية، والتراث الإسلامي، والخبرة البشرية المعاصرة. فهو يـهتدي بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية لأحكام الإسلام وتوجيهاته في العمل التربوي بفهمٍ مقاصديٍّ معاصر، ويستوعب في الوقت نفسه خبرة التراث التربوي الإسلامي والخبرة البشرية المعاصرة.[5] أما الهدف الذي نسعى إليه في هذا الطموح فهو هدف مزدوج: تعزيزُ الخصائص الفكرية والحضارية للأمة الإسلامية ومجتمعاتها، من جهة، وبناءُ وَعْيها بمسؤوليتها عن الإسهام التربوي والعلمي والحضاري في المجتمع البشري المعاصر، من جهة أخرى. وشرط تحقيق ذلك أن يقوم الفكر الذي نطمح إلى إنتاجه، ونبدع في تصميم مشروعاته وبرامجه، على استيعاب الفهم المقاصدي لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وتجاوز الخبرة التاريخية للتراث الإسلامي والخبرة البشرية المعاصرة.

نأمُل أن يُسهم كلٌّ من الوَعْي بحالة الواقع التربوي المعاصر في المجتمعات المسلمة، والوعيبضرورة إصلاح هذاالواقع،في ترشيد التخطيط لهذا الإصلاح،وفي سعينا الحكيم في تنفيذ خططه.

والله وليُّ التوفيق.

 

 

 

[1]قال تعالى:Qلِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌP(الحاقة: ١٢).

[2]الترمذي، أبو عيسى محمد بني عيسى بن سورة (توفي: 279). جامع الترمذي، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر، بيروت: دار الكتب العلمية، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ج5، الحديث رقم (2657) ص33. نص الحديث: عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود يحدِّث عن أبيه قال: قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: "نضّر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلّغه كما سمع، فربّ مبلغ أوْعى من سامع." وفي رواية أخرى للرواي نفسه: "نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فرُبَّ حامل فقْهٍ إلى من هو أفْقَهُ منه..." الحديث رقم 2658 من الكتاب نفسه والباب نفسه، ص34.

[3]ملكاوي، فتحي حسن. منهجية التكامل المعرفي: مقدمات في المنهجية الإسلامية، عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط2، 2016م، الفصل الثاني، بعنوان: الوعي المنهجي والخلل المنهجي، ص113-128.

[4]Emmanuel Jean Francois. () Education and Society. In: Building Global Education with a Local Perspective, New York: Palgrave Macmillan 2015, 1-15.

[5] ربما يجد القارئ لهذا الكتاب وغيره من كتابات المؤلف أن تحديد مصادر العلم والمعرفة يأتي من مصدرين، الوحي ويتضمن القرآن الكريم والسنة النبوية، والعالم ويتضمن العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي والعالم النفسي. وأحياناً أخرى يأتي الحديث عن أربعة مصادر، القرآن الكريم، والسنة النبوية، والتراث الإسلامي، والتراث الإنساني المعاصر. وفي هذه الحالة فإن التراث الإسلامي هو جزء من الخبرة البشرية الخاصة بالمسلمين، والتراث الإنساني هو الخبرة البشرية العامة التي نصفها عادة بالخبرة الغربية (الأوروبية والأمريكية). والتراث الإسلامي والخبرة الغربية المعاصرة هما من العالم الاجتماعي في الطريقة الأولى من التحديد.