القسم : حوارات عدد القراء : 72
التاريخ : 2018/01/05

الثقافة المقاصدية ـ حوار مع الدكتور وصفي عاشور أبي زيد ـ

– هل علم “مقاصد الشريعة” من العلوم الإسلامية الحديثة نسبيا مقارنة بعلوم أخرى كالتفسير والحديث؟ وهل يعد كتاب “الموافقات” للإمام الشاطبي المتوفى (790هـ=1388م) هو البداية الحقيقية لذلك العلم”؟

– ينبغي أن نفرق بين فكرة المقاصد وعلم المقاصد، فالمقاصد باعتبارها فكرةً ترجع نشأتها إلى نزول الوحي، فقد نزل الوحي – قرآنا وسنة – مصحوبا بمقاصده ومحفوفا بحكمه وأسراره؛ فالله سبحانه سمى نفسه (الحكيم)، ومن مقتضيات هذا الاسم الشريف وتجلياته أنه لا يخلق شيئا عبثًا، ولا يشرع شيئًا إلا لغاية، وإذا كان الناس لا يتصورون من حكماء الناس أفعالا أو أقوالا بلا معقولية أو معنى، فكيف يتصور هذا بحق (الحكيم) سبحانه؟! [إنا كل شيء خلقناه بقدر] [أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا].. ونحن نؤمن أن كل حكم من الأحكام الشرعية له مقصده ومعناه، ولكنْ عَلِمَهُ من علمه وخفي على من خفي عليه، ولا تفهم النصوص فهما صحيحا إلا في ضوء مقاصدها المقررة شرعا والمستثمرة من مسالكها المعروفة لدى أهل هذا الشأن، فكما أن الإخلاص روح الأعمال فإن المقاصد روح الأحكام ولحمتها وسداها.

وأما المقاصد باعتبارها علما فقد صحا متأخرا قبل أكثر قرن من الزمان وبعد ركود مديد، وكانت صحوته على يد الإمام محمد عبده، حينما نفض الغبار عن كتاب “الموافقات” للشاطبي الذي يعتبر بانيَ عمارةِ المقاصد ومُشيِّدها، وأوصى الأستاذ الإمام تلامذته بتدريسه؛ من أمثال محمد رشيد رضا ومحمد الخضري والطاهر بن عاشور وغيرهم الذين كتبوا وجددوا وألفوا في هذا العلم؛ مثل: مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور، ومقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها لعلال الفاسي، ثم انطلقت شرارة الرسائل الجامعية من يوسف حامد العالم وأحمد الريسوني وغيرهما، حتى غدا للمقاصد صحوة تضاهي الصحوة الإسلامية.

على أنه من الصعوبة بمكان أن تنسب الفضل في علم من العلوم حصرا وقصرا إلى عالم واحد، أو مؤلف بعينه، فما هكذا تنشأ العلوم، ولا هكذا تكون، وإنما يكون لها امتدادات في التراث أو عند من سبق، فيعمل العلماء على تتبعها وتأملها ورصدها وجمعها في سياق واحد والإضافة إليها بما يؤسس العلم ويقيمه بأركانه وقضاياه وقواعده وضوابطه ومناهجه.

– ما المجال الأساسي الذي يهتم به علم المقاصد؟ وهل ينظر ذلك العلم إلى كليات الإسلام فقط؟ وما الفارق بينه وبين علم كأصول الفقه؟ وكيف ترون أهمية هذا العلم في واقع المسلمين، ودوره في تفكيك كثير من الأزمات الفكرية والدينية والثقافية؟.

– المجال الأساسي الذي يعمل فيه علم المقاصد هو الإسلام كله بعقيدته وشريعته، بأخلاقه ومعاملاته، بمصادره وموارده، بكلياته وجزئياته، فالمقاصد هي روح الإسلام وغاية رسالته وهدف عقيدته وشريعته، وليست المقاصد محصورة في كليات ضرورية فحسب، فهناك ضروريات وحاجيات وتحسينيات، هناك مقاصد فردية ومقاصد جماعية، وهناك مقاصد دنيوية ومقاصد أخروية، مقاصد عبادات ومقاصد معاملات، مقاصد عقيدة ومقاصد شريعة، وهناك مقاصد سياسية وتربوية وأخلاقية وثقافية واجتماعية واقتصادية وغير ذلك، فالمقاصد من زاوية النظر إليها أوسع من أن تحصر وأشمل من أن يحاط بها، وإذا كان الإمام الشافعي قال: (لا يحيط باللغة إلا نبي)، فيمكننا القول: إن المقاصد بشمولها وعمقها وآفاقها وتنوع زوايا النظر إليها لا يحيط بها إلا نبي!

وعلم المقاصد نشأ من رحم أصول الفقه من خلال مباحث القياس والعلة والاستحسان والاستصلاح وغير ذلك، لكن عمل المقاصد غير عمل الأصول، فالمقاصد تبحث في غايات التشريع وأهدافه وحكمه وأسراره، وتكون حَكَمًا عند النزاع والخلاف، ويهتدي بها المجتهد ليكون اجتهاده في إطار الاجتهاد الصحيح وتحت سلطانه..  أما علم أصول الفقه فهو يبحث في جملة الأدلة الإجمالية للفقه، ومعرفة أوجه الاستدلال منها، وحال المجتهد.

والمتأمل في الساحة العلمية والثقافية والفكرية يلحظ بوضوح التصاعد المتنامي للاهتمام بعلم المقاصد، واتساع مساحات فعله وتفعيله، فقد أصبحت المقاصد علمًا مستقلا له نشأته وتاريخه ومناهجه ومدارسه وقواعده وضوابطه وقضاياه وأفكاره وخصائصه وفوائده وآثاره ومراجعه ومصادره وأعلامه، وحين يتوفر ذلك لفكرة من الأفكار فلا شك أنها تصبح علما مستقلا.

وليس معنى استقلال العلم انفصاله عن غيره، فلا غنى لعلم عن آخر؛ وبخاصة إذا كانت هذه العلوم تنتمي لدائرة كبرى مثل الدائرة الشرعية أو الدائرة الإنسانية أو الدائرة التجريبية ونحو ذلك، فالعلوم يُولَدُ بعضُها من بعض، ويوَلِّدُ بعضُها بعضًا، ويُفيد بعضُها من بعض، ويضيف كلُّ علم لنفسه من العلوم الأخرى بالقدر المطلوب وبما يحقق الغرض ويفي بالمقصد، ويقع الخلل والذبول إذا انفصل العلم تماما عن غيره، كما يقع التطور والتجديد بقدر تفاعل العلم مع العلوم الأخرى في الدائرة الواحدة وأحيانا في دوائر أخرى.

لقد أصبح للمقاصد في عصرنا سوق رائجة، فرأينا لها أقساما مستقلة في الجامعات، ومناهجَ خاصةً بها، وأعلاما عرفوا بها وعرفت بهم، وتقام له المؤتمرات والندوات، وتؤسس له المراكز والمؤسسات، ودور النشر والهيئات، حتى أصبحت له برامج فضائية بهذا الاسم؛ إذا المقاصد فكرة معيارية من شأنها أن تحكم التفكير، وتضبط الاجتهاد، وتجدد العلوم بالاحتكام إلى فكرتها.

وهذا يدل بشكل قاطع على أهمية هذا العلم وضرورة استدعائه في عصرنا وكل عصر له ميزات عصرنا وخصائصه بما يحمله من تحولات وما يتسم به من سرعة في طبيعته، ووقوع أحداث ونوازل ومستجدات وظواهر جديدة، وهذا لا يقوم بحق الوفاء له النصوصُ الجزئية وحدها، بل لابد من الاستنجاد – معها – بالفكر المقاصدي والقواعدي والكلي الذي استدعاه الفقهاء والمصلحون في عصور مماثلة، والمتأمل في أعلام المقاصد على مر التاريخ لا تخطئه هذه الحقيقة.

– هل اقتصر علم المقاصد على ما أنتجه في أصوله الخمسة على ما ذكره الإمام الشاطبي، أو عرف تاريخ ذلك العلم اجتهادات من علماء آخرين أغنوا ذلك العلم وطرحوا بعض اجتهاداتهم مثل العلامة التونسي الطاهر بن عاشور؟

– لا يتوقف نمو علم من العلوم أو تطويره وتجديده على إمام من الأئمة مهما علا كعبُه فيه، قد يكون هو قمة الإبداع فيه، أو له دور بارز في تأصيله وترسيخه وتقعيده، لكن حركة العلوم الحية لا تتوقف، بل تنمو دائما بفعل علمائها وإضافاتهم وكسبهم، وقد أضاف العلامة ابن عاشور إضافات مقدرة لهذا العلم إلى ما بناه الإمام الشاطبي منه، وكذلك المفكر المجاهد علال الفاسي.. ومن الإنصاف لمن بعدهم أن نقرر عدم توقف حركة العلم عند هؤلاء، بل تطور بعدهم، وخطا خطوات واسعة من حيث التأصيل والرصد والحصد والتفعيل والتنزيل والتجديد والتطوير بما هو فكرة حاكمة وضابطة ومعيارية.

فمساحات تفعيل المقاصد في الواقع المعاصر هي قسيم الجهود المبذولة في التأصيل والتقعيد.. عندنا مؤتمرات وندوات وأعمال ورسائل وجهود حاولت محاولات جادة تفعيل المقاصد في علوم ومجالات شتى؛ تفعيل المقاصد في مجال الدراسات القرآنية، وفي مجال دراسات السنة، وفي مجال البحث في العبادات، وفي العقوبات، وفي مجال السياسة الشرعية، وفي مجال الأسرة، وفي مجال القانون، وفي مجال الاجتماع، وفي مجال السياسة، وفي مجال الدعوة.. كل هذه المجالات عقدت لها ندوات ونشرت لها أعمال تبين منهجية تفعيل المقاصد فيها وفوائد هذا التفعيل، ولا زلنا بحاجة إلى مزيد من هذا التفعيل، كما أننا بحاجة إلى جعل الفكر المقاصدي ثقافة شعبية عامة تحكم حياة الناس وتُرَشِّدُها وتضبط حركتها.

– باعتباركم أحد المتخصصين في المقاصد، برأيكم لماذا نلاحظ قلة عدد الدارسين والمهتمين بذلك العلم، برغم أهميته، مقارنة بتخصصات أخرى في علوم الشريعة كعلم الحديث على سبيل المثال؟

– المختصون في المقاصد ليسوا قليلين إذا وضعنا في اعتبارنا تاريخ هذا العلم وبداية استقلاله النسبي والتخصص فيه مؤخرا، وكذلك إذا قارنا ذلك بقدم العلوم الأخرى وعراقتها في الاستقلال، فعلوم القرآن والتفسير من أوائل ما نشأ من علوم الشريعة، ومثلها علوم السنة، وكذلك علوم الفقه والأصول والقواعد.. بل إنني أزعم أن المختصين في علم المقاصد في هذه الفترة الوجيزة التي لا تتجاوز ثلاثة عقود من الزمان في صحوته المؤخرة أكثر من المختصين في العلوم الأخرى وأعظم تأثيرا في الساحة الفكرية والسياسية.

وبنظرة سريعة على الساحة نلحظ حاليا هذا التمدد الواسع والاهتمام المتنامي بعلم المقاصد وفكرة المقاصد – كما سبقت الإشارة – بما لا يحظى به علم آخر، والسر في هذا هو حاجة عصرنا إلى هذا العلم، وهذا الفكر الذي يواكب حركة التطور، ويوجه الفكر، ويضبط النظر، ويسعى للوفاء بحاجات الأمة المعاصرة.

– هل ترون تراجعا حاليا في الاهتمام بعلم المقاصد من حيث انتشار مراكزه البحثية وعلمائه؟ وهل ترون أن الاهتمام السابق بالمقاصد كان هدفه  – كما روج البعض – “محاصرة السلفية” باعتبارها تقدم رؤية جزئية للإسلام؟

– العكس هو الصحيح تماما، فكرة المقاصد تنتشر يوما بعد يوم، وتنشأ لها مؤسسات جديدة ومراكز جديدة وبرامج جديدة، وتتمدد في مجالات متنوعة، بل أحيانا يتم تفعيلها في أرضٍ لم تطأها أقدام السابقين في التفعيل والتشغيل، ويزداد المختصون فيه بشكل واسع، لمست ذلك بنفسي من خلال تواصل كثير من الباحثين معي واستفساراتهم من أنحاء الدنيا.

والاهتمام بالمقاصد لا ينشأ لمحاربة أو مواجهة تيارات بعينها، وإنما يتمدد الاهتمام به في الأزمنة التي تستدعيه وتستنجد به، وتحتمي بمنهجه ومسلكه في التعامل مع قضايا الأمة وحاجات الواقع بظواهره ونوازله الكبرى، ومن شأنه أن يضيق مساحات الاختلاف، وأن يقلل دوائر النزاع؛ لأن الاحتكام للمقاصد يجعل الجميع متفقين على الأهداف والغايات متسامحين في الوسائل والآليات، ومن شأنه كذلك أن يحاصر الفكر المتحجر والتدين المغشوش ويكشف زيفه، كما أنه يعمل على تعرية الفكر المتحلل، ويظهر عوراته وجهله بالشريعة والواقع، فالمقاصد بما هي شعلة ضوء تبين الرؤية وتضيء الطريق أمام المفكر والمجتهد، فإنها تضبط مساره وتلزمه بالخط الوسطي والصراط المستقيم في التفكير والتنظير والتجديد والاجتهاد على السواء.

على أن الفكر السلفي الحقيقي لا يعرض رؤية جزئية للإسلام، بل يقدم رؤية عقدية أخلاقية تشريعية واقعية حضارية نافعة، أما الفكر الجزئي الشكلي الذي لا يعرض الإسلام بشموله وعمومه ووسطيته وحضاريته، ويهتم بالشكل على حساب الجوهر، ويتمسك بالظواهر ويترك الجواهر؛ فهو لا يعبر عن فكر السلف ولا الخلف، وإن لبس لبوسهم، وتمسح بهم، وتكلم بلسانهم.

 – هل يحتاج المسلم في حياته إلى علم المقاصد؟ وكيف يستطيع المسلم أن يفكر بطريقة مقاصدية تراعي الإسلام وأصوله الكبرى، ولا تصطدم بالواقع الذي يحياه؟

– هذا ما نريد أن نتبناه ونشيعه اليوم، لا سيما بعد أن قطع الدرس المقاصدي شوطا كبيرا في التأصيل والتفعيل.. نريد أن يكون الفكر المقاصدي ثقافة شعبية شائعة يفعلها في حياتهم الأفراد والأسر والمجتمعات والمنظمات والهيئات والروابط والاتحادات والوزارات والحكومات والتكتلات الإقليمية والعالمية، فإن الفكر المقاصدي فكر عالمي إنساني على مستوى عالمية رسالة الإسلام وإنسانيتها.

لكل فرد في هذه الحياة أهداف، ولكل أسرة أهداف، ولكل منظمة أو هيئة أهداف، ولكل حكومة ودولة أهداف، ولكل كيان إقليمي أو عالمي أهداف، ولا ينهض كل هذا إلا برعاية هذه الأهداف ومراقبتها أثناء الأداء، ثم يكون التقييم في النهاية بناء على الاحتكام لهذه الأهداف والمقاصد.

ومن شأن رعاية المقاصد فرديا وجماعيا في حركة الحياة أن يُختار في ضوئها الوسائل المناسبة، ويوضع الشخص المناسب في مكانه المناسب، فتفعَّلَ الطاقات، وتستثمر الإمكانات، ويتم الوصول للهدف بأخصر الطرق وأقل التكاليف، ويُتقنَ العمل، وتُتَجاوز العقبات، ويقيَّم ويقوَّم العمل وفق منهجية صحيحة.

– من خلال رحلتكم مع علم المقاصد هل فكرتكم في تقديم نموذج للتفكير وفق رؤية مقاصدية؟

– بحمد الله تعالى وتوفيقه قدمت نموذجًا في هذا الإطار أحسبه نافعًا للعلوم وحركة تطورها، وهو سلسلة (العلوم في ضوء مقاصدها) التي تتبنى نشرَها دارُ المقاصد في مصر.. وفكرة المقاصد في هذه السلسلة لا ينطبق عليها المعنى الاصطلاحي لمقاصد الشريعة، وإنما يتسع ليشمل ما هو أرحب وأوسع من هذا، وهو مقاصد كل علم على حدته؛ فما مقاصد علم الفقه، وما مقاصد علم الأصول، وما مقاصد علم التفسير، وما مقاصد علم الحديث، وما مقاصد علم الاقتصاد، وما مقاصد علم السياسة، وما مقاصد علوم النفس والاجتماع والتربية، وما مقاصد علم المنطق، وما مقاصد علم التاريخ، وما مقاصد علوم اللغة، وما مقاصد علوم البلاغة، وما مقاصد علم الطب، وما مقاصد علم الفلك، وما مقاصد علوم الأرض؟ … إلخ. وهل تحققت هذه المقاصد في المسيرة التاريخية لكل علم؟ وهل يمكن أن نطور مقاصد بعض العلوم وفقا لرؤية تجديدية حديثة؟

علومنا النظرية والتطبيقية الآن بعد هذا التاريخ الطويل والتأصيل والتفصيل، والتنظير والتطبيق، أصبحت تحتاج إلى تجديدها وتطويرها وضبطها، ولن يكون هذا إلا من خلال اكتشاف مقاصد كل علم وتأصيلها وتفصيلها والإعلان عنها، ومحاكمة تاريخ العلم وواقعه إليها؛ لكي نقف على ما يحتاجه العلم في واقعه ومستقبله، فإن كان يؤدي مقاصده ويقوم بوظائفه فبها ونعمت، وإن لم يكن يقوم بأغراضه ومقاصده فينبغي أن نغير طريقة التأليف فيه، ومناهج تدريسه، فنسد خلله، ونجبر كسره، ونكمل نقصه، ونطور وسائله، ونعيده إلى منابعه الأولى في ضوء مقاصده التي حددناها من مسالكها المشروعة، بما يقوم بتحقيق هذه المقاصد، ويحقق تلك الوظائف.

ومن شأن تناول العلوم في ضوء مقاصدها أن تتبين في كل علم رُتَبُ الأفكار، ومدارج القضايا، ومقامات الموضوعات، ومنازل المسائل، ويتضح فقه النسب بين هذا كله، فنقدم ما من حقه أن يتقدم، ونؤخر ما من واجبه أن يتأخر، ونولي القضايا ذات الأولوية أهميتها ونمنحها العناية بها، في ضوء قضايا العلم وغاياته، ومن خلال التحديات التي يواجهها العلم ويفرضها الواقع ويتطلبها المستقبل، كل هذا وفق ميزان حساس في ضوء مقاصد العلم من غير طغيان ولا إخسار.

وهذه الفكرة ليست بدعًا في التناول، فهي موجودة في تراثنا، وفي كثير من العلوم، لكن وجودها يكاد يكون باهتا، يذكر في فرع من الفروع، أو صفحة من الصفحات، أو فقرة من الفقرات، وليت ذكْر الوظيفة يكون له تأثير في تناول العلم أو تجديده وتطويره، وإنما تُذكر وظيفة العلم دون الإفادة منها في أبواب العلم وفصوله، ودون تحكيمها ومحاكمة تاريخ العلم وواقعه في ضوء هذه الوظائف.

وقد انشغلتُ فترة ليست قصيرة من الزمان بهذه الفكرة – فكرة تفعيل الفكر المقاصدي في العلوم – ومحاولة القيام بها، لا سيما بعد أن قطع علماؤنا شوطا لا بأس به في التأصيل والتنظير، ومن ثم آن الآوان أن يقوم الفكر المقاصدي بضبط العلوم وتفعيلها وتنشيطها وتجديدها، في محاولة لنقل علم المقاصد من التأصيل والتنظير إلى ساحة التفعيل والتنزيل والتشغيل، وهو ما نفتقده في حياتنا الفكرية والعلمية والعملية.

ولكن أين التخصص الذي يفي بكل علم، وأين العمر الذي يفنى دون إنجاز بعض هذه المهمة؟! فكان التواصل مع كبار المختصين في كل مجال، واستكتابهم، ووضع خطة محكمة موحدة لكل علم لا يخرج عنها المؤلف إلا إذا اقتضت طبيعة العلم ذلك، وتطلبتْه طبيعة التناول، ولكن بما لا يخرج عن الفكرة الأساسية وهي تفعيل مقاصد العلم في أبوابه وفصوله ومباحثه، ورؤية موضع العلم الآن من هذه المقاصد.

فكانت الخطة أن يذكر العالم طرفا من نشأة العلم وتاريخه، وقضاياه وأفكاره، ومقاصده، ثم يبين مدى تحقيق العلم لمقاصده، فإذا كان يحقق فبها ونعمت، وإلا فما المطلوب كي ينهض العلم بمهمته، ويؤدي وظائفه، ويحقق مقاصده؟ وإن استطاع تقديم نموذج تطبيقي عملي فهذا من الحسن بمكان!

وقد لاقت هذه الفكرة استحسانا كبيرا من الأعلام الذين حدثتهم عنها، فتحمسوا لها وكتبوا فيها، ونشرت منها دار المقاصد أربعة أعداد حتى الآن، والبقية تأتي إن شاء الله.

– ما أهم الأدبيات المقاصدية التي ترشحونها للمثقف المسلم لقراءتها والاطلاع عليها؟

– كثير من طلبة العلم الراغبين في تعلم المقاصد يسألون عن كيفية تعلم المقاصد، وأي الكتب يقرؤون، وبأيها يبدؤون، وبأيها ينتهون..

والواقع أن العلم بالمقاصد والتفقه فيها ليس ضربة لازب، ولا سهمًا يفجر نبع العلم في العقول والنفوس بقراءة كتاب أو كتابين أو بحضور محاضرة أو محاضرتين، وإنما هو طريق طويلة معلومة خطواته مرسومة ملامحه..

تبدأ هذه الخطوات بتعلم اللغة العربية أولا، ومعرفة أصواتها وصرفها ونحوها ودلالتها وأسلوبها، والقراءة المتعمقة في الأدب شعره ونثره، والاطلاع الواسع على معاجم الألفاظ.

ثم إنه لا يمكن معرفة مقاصد الشريعة قبل أن نعرف الشريعة نفسها، فبعض المتعلمين يهملون هذه المرحلة ويقرؤون في المقاصد مباشرة وهم جهلة بالشريعة التي يتعلمون مقاصدها، كمن يريد الوصول للمتن دون فقه السند والعلم به، وقد قال الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: (لا يُسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد، حتى يكون ريان من علم الشريعة أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مُخْلد إلى التقليد والتعصب للمذهب). فلابد من الارتواء بالشريعة وعلومها قبل البدء في التفقه بالمقاصد، فمن الأهمية بمكان التفقه والتعمق في نصوص الشريعة نفسها، القرآن الكريم والسنة النبوية، وقراءة تفاسير القرآن وشروح السنة، فهذا مسلك مهم، ومهاد أساس للوصول إلى المقاصد.

كما أن معرفة الفروع الفقهية أمر أساسي للمتفقه بالمقاصد، فلا يمكن معرفة مقاصد الأحكام إلا إذا تفقهنا بالأحكام أولا، ووقفنا على الأدلة والاختلاف وأسبابه وموارده، وردود الفقهاء بعضهم على بعض، وبهذا نشم رائحة الفقه التي تفضي بنا إلى الوقوف على الأسرار والحكم والمعاني والمقاصد.

ثم بعد ذلك يقرأ في المقاصد باعتبارها علما له أصوله وقواعده ومناهجه ومسالكه وأعلامه ومراجعه ومصادره..

والأعلام الذين يأخذ عنهم طالب العلم فهم المقاصد وفقه فكرها ينقسمون في نظري قسمين: قسم تسري المقاصد في فكره وفقهه فحيثما توجه أو كتب أو نظر فهو مستحضر بالفطرة المقاصد وروحها، وقسم كتب في المقاصد باعتبارها علما يبين تاريخه ويقرر قواعده ويؤصل مفاهيمه، وفي القسمين من يجمع بينهما.

فمن النوع الأول على سبيل المثال لا الحصر: أنصح بالقراءة للإمام الشافعي في الأم والرسالة، والإمام الكاساني في بدائع الصنائع، والإمام الجويني في الغياثي ونهاية المطلب، والإمام الغزالي فيما كتبه في الفقه والأصول، والإمام العز بن عبد السلام وتلميذه القرافي، والإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.. ومن العصر الحديث والحاضر: الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا، وشيخنا الإمام يوسف القرضاوي ومدرسته.. هؤلاء يكتبون ما يكتبون في ضوء رعاية المقاصد والاحتكام إليها.

ومن النوع الثاني على سبيل المثال يسع طالب المقاصد أن يقرأ ما كتبه شيخنا العلامة د. أحمد الريسوني، وأعتبر ما كتبه في مجال المقاصد – في مجمله – صالحًا لأن يكون مدخلا معقولا لتعلم المقاصد باعتبارها علما، وما كتبه د. جمال الدين عطية (نحو تفعيل مقاصد الشريعة)، ود. يوسف حامد العالم، ود. عبد المجيد النجار (مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة)، وما كتبه د. نور الدين الخادمي، ود. عبد الرحمن الكيلاني (قواعد المقاصد عند الشاطبي)، ود. يوسف اليوبي، ود. محمد كمال إمام، ود. محمد سليم العوا، ود. إبراهيم البيومي غانم، ود. عبد الحميد أبو سليمان، ود. حسن جابر، ود. صلاح سلطان، ود. جاسر عودة، وغيرهم ..

وأوصي توصية خاصة بكل ما أنتجه مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية التابع لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي في لندن، فقد نظم عدة دورات متخصصة رصينة مهمة ونشر أعمالها.

– برأيكم لماذا أبدع المغاربة في علم المقاصد؟ وهل يوجد علماء مشرقيون لهم إسهامات كبرى في علم المقاصد؟

– بزغت المقاصد أول ما بزغت في المشرق؛ حيث إمام الحرمين الجويني، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي، والإمام المجاهد العز بن عبد السلام الذي أعتبره إمام المقاصد الأول، ، ثم نضجت لاحقا في المغرب؛ حيث الإمام الشاطبي، والعلامة محمد الطاهر بن عاشور، والأستاذ المجاهد علال الفاسي، ثم الأساتذة الأعلام: الريسوني وإسماعيل الحسني ونور الخادمي وغيرهم، ولا شك أن حركة الفكر المقاصدي اليوم أنضج في المغرب منها في المشرق، وقد يكون من أسرار ذلك أن مذهبهم الفقهي المتبع في بلادهم هو المذهب المالكي الذي يتوسع في العمل بالمصالح المرسلة والأوعية الأصولية التي ولدت من رحمها المقاصد.

وها هي المقاصد اليوم تشرق شمسها من لندن؛ حيث مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية فيها الذي أصبح له القدح المعلَّى في المقاصد – فكرًا وفقهًا – بما يعقده من ندوات متخصصة منتقاة مؤثرة ومهمة، وما يقدمه من مطبوعات قيمة نافعة تجاوز بها دوائر التأصيل إلى ساحات العمل والتطبيق، وميادين التنزيل والتفعيل.. وهذا التنوع الجغرافي في رفد المقاصد بالغذاء والدواء والإيجاد والإمداد هو في الحقيقة دلالة على عالمية هذا الفكر، وصلاحيته الحضارية للمكان والزمان والإنسان.

نحن اليوم بحاجة ماسة قبل أي وقت مضى إلى تفعيل الفكر المقاصدي وتحكيم علم المقاصد لا سيما في قضايانا الكبرى الشرعية والسياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية والإعلامية والفنية، فالأمة المسلمة تمر بأصعب مراحلها، ولن يُنجدها في هذه الظروف ويحقق مرادها إلا فكر المقاصد وفقه المقاصد ورجال المقاصد بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 عن موقع إسلام أون لاين

      20 يوليوز 2017