طه جابر فياض العلواني القسم : حوارات عدد القراء : 133
التاريخ : 2018/01/05

قضية تجديد علم أصول الفقه في حوار

       حوار سابق مع العلامة طه جابر فياض العلواني رحمه الله، لأول مرة ينشر، وكان ذلك بالرباط يوم الخميس 14 رمضان 1425هـ/ الموافق 28 أكتوبر 2004م.

إعداد: محمد عوام

سؤال : ماذا يعني تجديد علم أصول الفقه عندكم، وما هي وجهة نظركم في الدعوات المنادية بتجديد علم أصول الفقه ؟

جواب : بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ومن والاه.

       الدعوات التي تعالت للحديث عن تجديد علم أصول الفقه بإضافة بعض الأصول إليه، أو حذف بعض الأصول منه، في غير دائرة الثوابت بطبيعة الحال، أعتبرها دعوات مشروعة من حيث المبدأ، غير عملية من حيث التنفيذ، غير مجدية من حيث النتائج. أما كونها مشروعة فلأننا في حاجة إلى فقه يحكم المستجدات، ويبت في الوقائع والنوازل الحادثة. هذا أمر لاشك فيه، وأمر يحتاج في الوقت نفسه إلى وضع أصول لهذا الفقه الذي نحتاجه لبيان أحكام النوازل والوقائع الحادثة. فهل الأصول التي حددها أسلافنا ستكون بشيء مما نسميه تجديدا، أو تطويرا، أو إضافة، أو حذفا قادرة على الاستجابة لبيان أحكام الوقائع الحادثة.؟ هذا أمر أشك فيه. لماذا ؟ لأننا لو رجعنا لتاريخ الفقه عندنا. ولا أسميه تاريخ التشريع، لأن التشريع للقرآن الكريم وحده، مع بيانه النبوي الصحيح الثابت الدائر حوله حيث دار. حين نرجع إلى هذا نجد أن معظم الأئمة والمذاهب،  أوجدوا فقههم قبل الأصول. فالإمام أبوحنيفة –مثلا- أفتى فيما يقرب من نصف مليون مسألة عبر حياته، خالفه في بعضها أصحابه، ووافقه في بعض آخر أصحابه وعلماء آخرون. وحين أنتج كل ذلك الفقه، لم يكن قد وضع أصولا، يمكن أن يطلق عليها علم أصول الفقه. وحين سئل عن أصوله لخص أصوله فيما لا يزيد عن صفحة أو صفحتين. نجدها في كتب تاريخ التشريع. مثل الفكر السامي، وكتب أصول الحنفية. وبنى عليها بعد ذلك أصحابه، ليجعلوا منها علم أصول فقه الحنفية. لذلك حين نراجع أصول الكرخي، وأصول الدبوسي ونحوها، نجدها عبارة عن مجموعة قواعد، بعضها يمكن أن يندرج في علم أصول الفقه، وبعضها قد لا يندرج إلا بصعوبة، وبعضها أشبه بقواعد الفقه الكلية. فإذن المستجدات والنوازل سبقت وضع أصول فقه الإمام أبي حنيفة، وفرضت عليه أن يفتي فيها قبل أن يحدد أصوله التحديد الفني الدقيق الذي نجده في أصول فقه الحنفية.

        فهذه الأصول قد بنيت على فتاوى استنبط منها أصول، بحيث صاروا يقولون: إنما أفتى الإمام في هذه الواقعة بناء على الأصل الفلاني. وأما الإمام فقد لخص أصوله ببضع فقرات، حيث قال : آخذ بالكتاب، وآخذ بالسنة. وأما الصحابة فإن اتفقوا أخذت بما اتفقوا عليه، وإن اختلفوا تخيرت من بين أقوالهم، وأما التابعون فهم رجال ونحن رجال." تلك أصول أبي حنيفة تقريبا التي بنى عليها ذلك الفقه الواسع المنتشر العظيم...إلخ.

       وحين ننتقل إلى الإمام مالك نجده رحمه الله قد بنى فقهه على مجموعة الأحاديث التي أودعها موطأه. فالموطأ دائر بين الحديث والفقه، بحيث يتساءل الكثيرون عن هويته. هل يوضع في عداد كتب الفقه وكتب الحديث، أو يصنف في كتب الفقه.؟ وحينما نبحث عن الأصول والقواعد الأصولية المالكية نجدها شذرات تأتي في معرض استدلال الإمام على بعض القضايا الفقهية، أو الفتاوى ليبين دليله، أو مصدر استنباطه في تلك المسائل.

الإمام الشافعي والإمام أحمد

       الإمام الشافعي في فقهه القديم نسب إليه الشافعية أنه كتب كتاب (الحجة) وكتب مقدمة أصولية في القديم لكتاب (الحجة) وفي تلك المقدمة الأصولية التي تماثل (الرسالة) التي كتبها في مصر. قيل إنه كان يأخذ بحجية قول الصحابي، ويأخذ بكذا، ويأخذ بكذا، نقلت لنا عنه شذرات أيضا في التأريخ للإمام الشافعي، وكتب المناقب، وفي التأريخ للمذهب. ولكن كتاب (الحجة) نفسه مفقود، فقها ومقدمة. فليس بين أيدينا إلا تلك المقتطفات التي وردت فيه.

       من هنا يتضح أن نشأة الفقه كانت قبل الأصول. فدعوى بناء الفقه على الأصول تتصف بالعموم. فلم تكن الأصول هي السابقة وضعا وبناء، بحيث يمكن اعتبارها الأساس الذي بني عليه الفقه. إن كتب الأصول انقسمت إلى الحنفية والشافعية. ثم أخذت أشكالها المعروفة بين مدرستين : مدرسة المتكلمين أو الشافعية، ومدرسة الفقهاء أو الحنفية. فذلك كله قد حدث بعد.

       اعتبرت رسالة الإمام الشافعي، بعد تدوين علم أصول الفقه، أول كتاب مجموع مدون في أصول الفقه. إذن أين مدونات أبي حنيفة في الأصول أو الإمام مالك اللذين سبقا الإمام الشافعي. هنا لابد أن نقف وقفة أمام هذا التساؤل. فما الذي يراد تجديده في الأصول. إن هناك ثوابت، منها كون القرآن المجيد وحده مصدرا منشئا للأحكام، والسنة النبوية وحدها مصدرا مبينا للقرآن على سبيل الإلزام. يعني ما يأتي بيانه في السنة لا كلام لأحد فيه إلا الفهم والتفسير والاتباع. وهناك الأدلة المختلف فيها، التي عدها العلماء مصادر إضافية للبيان. وتوسعوا فيها حتى جاوزت في عصرنا هذا ما يقرب من 45 دليلا. وهذه الأدلة المختلف فيها مثل الاستصحاب، الاستحسان، الأخذ بالأخف، الأخذ بالأقل... إلخ. وبعضها نستطيع أن نعتبرها قواعد منهجية. وبعضها يمكن أن نعتبره وسائل تأويل. فهي ليست مصادر فقه، بل هي أدوات ووسائل. حيث إننا نؤمن بانحصار إنشاء الأحكام والكشف عنها بالكتاب الكريم. كما جاءت في ذلك آيات وأحاديث كثيرة. وأما السنة النبوية فهي المصدر المبين، ولكل منها أصل في الكتاب الكريم، الذي هو تبيان لكل شيء. ومنه السنة النبوية كما نص على ذلك الشاطبي. ونبه إلى ذلك الشافعي في مقدمة رسالته. ولذلك كان بيانها هو البيان الملزم الذي إن وجد ليس لأحد تجاوزه.

       أما الأدلة المختلف فيها، فهي إن بينت شيئا من القرآن المجيد، فإن بيانها ليس بملزم، لأنها عبارة عن أدلة عقلية. وعملية الإلزام بدلائل العقول تعتمد على المنطق أكثر مما تعتمد على أدلة تشريع. فإذا أدركنا ذلك تمايزت عندنا الثوابت من المتغيرات. فإن الثوابت من الكتاب والسنة المبينة لا كلام فيها. أما الأدلة المختلف فيها فتقع في دائرة المتغيرات.

       فهل هذه الأدلة المختلف فيها هي التي يراد لها أن تكون ميدان التجديد.؟ وكيف يتم هذا التجديد.؟ وكيف نجدد في استصحاب الحال مثلا، وحجية قول الصحابي، والمصلحة المرسلة وغير المرسلة، والعرف، والعادة ونحوها.؟ وهل يكون التجديد بنفي هذه الأدلة، وإثبات البعض الآخر، أو بتفكيك بعضها وإعادة تركيبه.؟ وهل يعالج ذلك مشاكلنا، ويحل أزماتنا الفقهية والفكرية.؟

       إذا قلنا نعم يمكن تجديد هذه الأدلة المختلف فيها. فهل ذلك سيكون كافيا لملإ الفراغات التشريعية.؟ إذا كان هناك من يرى أن ذلك يمكن أن يحدث، فدونه ذلك فليفعله. إن هذه وسائل للاستنباط وليست مصادر. فلا يتوقع أن يملأ التجديد فيها، إذا كان واردا تلك الفراغات الفقهية. لذلك فإننا نرى أن التجديد الحقيقي في علم أصول الفقه يمكن أن يتم بعدة طرق :

 

       أولا: تنمية الدراسات المقاصدية. ولا أعني بالدراسات المقاصدية ما حدده الإمام الشاطبي وسواه، من أن المقاصد هي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين،...فهذه تعد –أصلا- من المعلوم من الدين بداهة، أن الدين يريد حفظ هذه الأشياء. والإنسان بحاجة إلى حفظها.

فحين نقول: مقاصد تشريع، أو مقاصد الشريعة، فإننا نضيف المقصد إلى الشريعة، أو إلى التشريع. والشريعة مضافة إلى الله تبارك وتعالى. فكأني أقول: إن المقاصد منحصرة بمقاصد وحاجات ومصالح المكلفين. فأين هي مقاصد الشارع نفسه.؟ إن مقاصد الشارع التي دارت حولها آيات الكتاب الكريم والسنن الصحيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن حصرها بثلاث مقاصد أو قيم حاكمة وهي : التوحيد والتزكية والعمران. فهي محاور القرآن الأساسية، وبالتالي فينبغي اتخاذها مقاصد عليا حاكمة على مقاصد المكلفين، وسواها من الأحكام والوقائع.

       ثانيا: الكون الذي يشكل المحور الثاني من محاور القرآن. تحدث عنه الباري سبحانه وتعالى، باعتباره المسخر لهذا الإنسان المستخلف فيه. أمرنا الله تعالى بأن نعمره، وبين لنا أن إعماره ينبغي أن يكون هدفا من أهم أهدافنا، وأنه سخره لنا لهذا الغرض.(سخر لكم ما في الأرض جميعا) (سخر لكم الشمس والقمر دائبين) (سخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه) (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). فإذن إعمار هذا الكون، واستثمار سائر المسخرات فيه، وتوظيفها يصبح مقصدا ثان من المقاصد العليا الحاكمة، ليتحقق العمران. إذ لا تكاد تخلو سورة من الامتنان على البشرية بتسخير شيء، أو خلق شيء، أو تذليله.

       ثالثا : إن هذا الإنسان المستخلف أمر بالتوحيد والعمران كما تقدم. كما أمر بأشياء أخرى كثيرة، ونهي عن أمور أخرى كثيرة.كذلك لتحقق له التزكية التي بها يكون مؤهلا لمهمة الاستخلاف. وبذلك تصبح المقاصد أو القيم العليا الحاكمة، التي يمكن أن نخضع لها سائر المقاصد الأخرى، ونجعلها إطارا للتجديد هي هذه المقاصد الثلاث : التوحيد والتزكية والعمران. وإعطاء أصول الفقه الامتدادات اللازمة، لتغطية الامتدادات اللازمة، لملإ الفراغ التشريعي والبت في أحكام المستجدات وفقا لهذه المقاصد الكليات.

       بهذا نستطيع أن نحدد ثلاثة مقاصد حاكمة عليا: التوحيد، والتزكية، والعمران. لنسميها محاور القرآن الأساسية، أو المقاصد العليا الحاكمة. و هذه المقاصد الكلية: التوحيد، والتزكية، والعمران. فالإنسان الذي هو الواسطة بين الاثنين - والمكلف بأن يأخذ الأوامر الإلهية لينفذها في هذا الكون المسخر فيه، وذلك بتسخير المسخرات، وتحقيق العمران- لابد أن يكون ممن تزكى، وليس أي إنسان يستطيع أن يعمر الكون، حتى ولو عمر الحجارة. فيكون العمران بذلك يشمل مجموع العمارتين : المادية والمعنوية معا.

        فإذا بلغنا هذا السقف، وبدأنا نتعامل مع هذه المقاصد الحاكمة، باعتبارها كليات يجب أن ترد الجزئيات إليها، فإننا سوف نتمكن، دون شك، من تلبية حاجاتنا الفقهية، والإجابة عن الأسئلة الهادفة بيسر وسهولة. ودون حاجة إلى لي أعناق الفقه القديم، والتحايل على النصوص، أو البحث عن المخارج والحيل، وما إلى ذلك من أمور لا تتناسب ومقاصد الشارع. وسنكون بمنجاة من الوقوع في الحرج الذي نعاني منه في كثير من الأسئلة والوقائع المثارة.

       فحينما يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق." إذن من لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق. عندنا حوالي سبعين خصلة أو أكثر. بعضها أصول، وبعضها جزئيات. هذه الجزئيات هي التي يفترض أن يشملها التوحيد وينعكس عليها، كما شمل الأصول، فيعطيها الصفة التوحيدية، أو يجعلها معززة بالتوحيد.

        فمن القضايا التي يكثر الجدل حولها، دون أن تحسم، قضية التصوير. فهناك أدلة جزئية ، استنبط البعض منها المنع من التصوير أو تحريمه، في حين ذهب آخرون إلى تجويزه. وحين نعرض هذه القضية على التوحيد والتزكية والعمران، فإننا سنخرج بتفصيلات دقيقة تقينا ما في تلك التعميمات من نظر.

       فالفقيه في هذه الحالة سيكون قادرا على أن يحدد انعكاسات هذه الكليات على مفردات الحياة. ليرى تعارضها مع هذه المقاصد العليا الحاكمة أو انسجامها.

       أصول الفقه ليتجدد يحتاج إلى أن يعاد ربطه بمحاور القرآن المجيد وكلياته بشكل دقيق، وتدريب طالب العلم على كيفية ربط الجزئي بالكلي. ويجب أن نحاكم هذه الأدلة المختلف فيها إلى المقاصد العليا الحاكمة وكليات القرآن. وذلك أن معظم هذه الأدلة قد قامت على أدلة ضعيفة في غالبها.

وهذه المقاصد العليا الحاكمة يمكن أن تساعدنا، مع مقاييس نقد المتون، لنميز بعض السنن، ومعرفة كيفية ربطها بالقرآن الكريم. فلا يقع نسخ، ولا تعارض، ولا تعادل بينهما.

       نحن في حاجة إلى أن نفعل شيئا في هذا الاتجاه. نحن في حاجة إلى تعزيز هذه الأمور بالسنة المبينة للقرآن الكريم. أيضا وفي مثل الحديث الذي ذكرنا (الإيمان بضع وسبعون شعبة...) علينا أن نكتشف جميع الشعب التي أشار الحديث إليها، ونحددها بدقة، ونمارس عملية عرضها على المقاصد العليا الحاكمة. كذلك في نحو حديث الهرة. إذا فصلنا هذا الحديث عن الكليات، فإن الكثيرين قد يرفضونه، أو يستغربون وروده. إذ فيه ما يشبه التسوية بين المرأة والهرة. في حين أن القرآن المجيد نص على أن (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى...) في القصاص. في حين يلغي الحديث في إطار النظر الجزئي سائر الفروق بين المرأة والقطة.

       وحين ننظر في الكليات القرآنية والمقاصد الحاكمة نجد أن العمران يقوم على الاستخلاف. فالمرأة مستخلفة في هذه الأرض. والقطة جزء مما استخلفت فيه. ومطالب العمران تقتضي أن تقوم هذه المرأة المستخلفة بحماية هذا الحيوان ونحوه، لا بقتله. فإذا فعلت ضد ذلك، خانت أمانة الاستخلاف، فيكون دخولها النار، لا لأن هناك تسوية بينها وبين القطة، بل لأنها خانت أمانة الاستخلاف.

       فإذن عملية استنباط الكليات من القرآن الكريم، وبيانه الملزم السنة النبوية بوضع هذه الكليات والمقاصد والسنن، وتحكيمها في الجزئيات التي تحدث وتستجد، تصبح هي الحل، وهي جوهر التجديد. وبذلك نستغني عن التأصيل للمخارج والحيل وللتلفيق. وليس اللجوء إلى ما سماه بعض العلماء المتأخرين بالتلفيق مثل صاحب (عمدة التحقيق في جواز التلفيق). وإننا لا نحتاج إلى التلفيق، لا نحتاج إلى تجديد قواعد أو يعني محددات منهاجية للاستنباط، من أجل أن نحقق التجديد، لأنها لا تحقق هذا.

       ولكي يتحقق التجديد لا بد من إعادة عرض هذه القواعد على المقاصد العليا الحاكمة : التوحيد، والتزكية، والعمران. ونضيف الاستخلاف، وأداء الأمانة، والابتلاء. ولكن أهم شيء علينا أن نتعلمه هو كيفية الاستنباط من هذه الكليات والمقاصد العليا الحاكمة، وعرض سائر الجزئيات والتفاصيل عليها. فهي في نظرنا مهمة الأصولي المعاصر. فبها نجعل هذه الكليات تستوعب الجزئيات والحوادث المستجدة. بالمنهج النبوي لعمليات الاستيعاب، وبالاستفادة من بعض التراث الأصولي لكي يكون عندنا تجديد حقيقي. وإلا أن نحذف بابا، أو أن نبقي على باب، مثل الحسن والقبح العقليين، لأنها مسألة كلامية، أو ارفعوا كذا وكذا... إلخ. فهذا لن يكون تجديدا مجديا حتى ولو سميناه تجديدا. لكن ربما هو ليس بتجديد أصلا. والله أعلم.

       س :  هل يتوقف تجديد علم أصول الفقه على الاستعانة بباقي التخصصات الأخرى أو هل هو في أشد الحاجة إليها، ولو كان أصحابها بعيدين عن مجال الدراسات والعلوم الإسلامية خاصة علم الأصول، بل ليست لهم إحاطة أو خبرة به. أم أن علماء الأصول والباحثين فيه والدارسين ينبغي لهم أن ينفتحوا على مجالات معرفية أخرى وعلوم أخرى، حتى يتسنى لهم أن يحققوا التجديد المطلوب.؟

       ج : أصول الفقه هو قواعد منهجية، بعضها ما يزال صالحا لأن يتصف بأنه محدد منهاجي، أو قاعدة منهاجية، وبعضها لم يعد صالحا لذلك.. أصحاب التخصصات الأخرى يمكن أن يرفدوا الأصوليين برؤى ونظرات قد تساعدهم على تطوير وتجديد الأصول. من ذلك "أصول القانون" و"تاريخ النظم والتشريعات الاجتماعية" و"علم الاجتماع القانون" ونحوها.

       فعملية المثاقفة بين أصحاب التخصصات المتنوعة هي عملية حوارية، مفيدة لسائر الأطراف. فالأصولي يحتاج إلى أن يعرف تاريخ الشرائع والقوانين والتطورات التي مرت بها. لأنه يعطيه وسائل كثيرة للنظرة الدقيقة إلى الأصل الفقهي. فهناك قواعد بالفعل نجد لها أشباها ونظائر في تاريخ القانون، في تاريخ التشريع، وفي تاريخ النظم الاجتماعية والقانونية. نحن محتاجون إلى تبادل هذا مع أصحاب تلك التخصصات.

       إن المسلمين ربطوا بالفقه جل علومهم الاجتماعية. فلو أخذنا فتوى من الفتاوى، وقمنا بتحليلها من زمن أبي حنيفة، أو زمن الإمام الشافعي، أو أحمد، سنجد أن ذلك يتوقف على تحليل دقيق لتاريخ الرجل، وتاريخ الواقعة، وكيف تكونت الواقعة أو صيغ السؤال موضوع الفتوى، أو الاستفتاء، وكيف صيغ الجواب.

       فالمسائل الفقهية حينما تصاغ لها ظروف، ولها تاريخ، ولها إنسان. لذلك قالوا: الفتوى هي الرخصة من تقي لمن هو في حاجة إليها الذي هو المستفتي أو السائل. هذه الجزئية، هذا المستفتي أو السائل كان يعيش في مجتمع، وهذا المجتمع له ظروف خاصة. والمجتمع يفرز مشاكل ويفرز حلولا. وهذا الإنسان حينما جاء إلى الفقيه يستفسر منه، ويطلب حكما، أو ظنا بحكم شرعي أو فقهي، إنما جاء لأنه أحس بوجود مشكلة، أراد لها حلا.

       لذلك فإننا نستطيع أن نستنبط من الفقه، ومن الدراسات الفقهية صورا وأشكالا لمجتمعاتنا في مختلف تاريخها. نستطيع أن نستنبط بعض جوانب تاريخ الأمة، حينما واجهت في الظرف الفلاني المشكلة الفلانية، صدرت الفتوى الفلانية. فنستطيع من خلال هذه الفتاوى والفقه، بالتعاون مع عالم الاجتماع، ومع عالم التربية، وعالم النفس أن نقوم بعملية تحليل لهذه الفتاوى، ونعرف كيف تمت الإجابة عليها. ولم كانت الإجابة بهذه الصورة ؟ ومن الذي وراء هذه الإجابة ؟ وماهي القواعد الأصولية التي استنتجها أو أقام عليها هذا الفقه؟!

       وجدت -مثلا- في فتاوى أهل سوس، أو وادي سوس هنا في المغرب فتوى في غاية الأهمية عمرها حوالي 300 سنة، قال بها أحد العلماء الكبار في وادي سوس آنذاك. قال : إن المرأة إذا طلقت أو توفي عنها زوجها تستحق نصف التركة. وإذا طلقها تقاسمه ماله نصفا بنصف. طبعا هذا المثال، هذا النموذج فريد في البيئة المسلمة. والقانون في أمريكا يعطي النصف للزوجة والنصف للزوج إذا اختصما أو تطالقا أو مات أحدهما. وفي الميراث يرث كل من الزوجين نصف ما ترك الآخر. فكيف نجد هذه الفتوى قبل 300 سنة عند مفت في وادي سوس.؟

        لما نسأل عن التاريخ قبل 300 سنة في عهد ذلك المفتي، أو ذلك العالم. كانت المرأة تشتغل مع الرجل كتفا بكتف. في ذلك الوقت كان أهل الوادي يشتغلون في الزراعة فيتزوج الرجل من أجل أن يحصل على شريك، يعني الزوجة هنا عبارة عن شريك في العمل، في الجهد، في بناء البيت، في تأسيس كل شيء، في رعاية الزرع والضرع وما سواه. فإذن هي من خلال عملها، أو بعملها استحقت أن تأخذ النصف.

       أيضا قد تكون هناك ناحية أخرى استند إليها هذا الفقيه، هي أن الزوجة جاءت من بيت أبيها بدون شيء. ولكن لا يدخل في عقد الزواج عمل المرأة لزوجها. هناك عمل محدد يحكمه العرف، أن تطبخ مثلا، أن تغسل الملابس. ولكن لما يأت الزوج ويقول لها إضافة إلى هذا عليك أن تكسبي قوتك معي، تزرعين كما أزرع، تفلحين كما أفلح، نرعى الغنم معا، ونرعى البقر معا، ونربي الدجاج معا. أصبحت شريكا. فكيف تمت هذه الشركة ؟ باتفاق ضمني بينهما أو عرفي.

       جاءني بعض الناس يطالب زوجته المدرسة يقول : مرتبها لي لأنني أنا الذي أذنت لها بأن تعمل، ووقتها كله هو ملكي مذ تزوجتها، وملكي وملك أولادي.  (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة...) فبين الحكم أنها غير مكلفة بالرضاعة. ولكنها إذا استرضعت أو أرضعت يجب عليه، أي أب الولد، أن يقوم بكسوتها، والإنفاق عليها. فإذا لم يقم بهذا وكانت مضطرة لكسب قوتها، فعليه أن يدفع لها أجر المثل.

       فحين ندرس علم الاجتماع، وندرس الإنتروبولوجي أو علم الإنسان.ونعرف كيف كانت هذه القرى تعيش. وما هي تقاليدها التي تحكمها...إلخ. فذلك سوف يعيننا كثيرا. فالفقيه الذي يشتغل برد الجزئيات إلى الكليات، أو الأصولي الذي يشتغل بهذا يجب عليه أن يحدد مفهوم العرف، وليس بالتعريف الأرسطي. ولكن من تعريف مستنبط من فكرة العرف. وفكرة العرف قائمة على فلسفة طويلة وعريضة في تاريخ البشرية. كيف تتكون الأعراف، وكيف تتكون وتنشأ التقاليد، وكيف تنشأ الثقافات، وكيف تنتشر.؟

       هذه كلها أمور يحتاج طالب علم أصول الفقه أن يلم بها. ليحدد ماهية المعروف بدءا من تحديدات القرآن للمعروف ثم المجتمع، وكيف تتطور فكرة المعروف فيه.لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يشير في إحدى أحاديثه الشريفة أنه (كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا). إذن هي مساحة متحركة فكيف يتم تثبيت هذه المفاهيم، وتحديدها من قبل الأصوليين، من أجل أن يعطيها الحكم الدقيق، ويربطها بالكليات بشكل سليم. بحيث لا يكون هناك خلل. ولا يكون هناك مجال للنظرات الجزئية، أو النظرات الذاتية، أو النظرات القائمة على ظروف اجتماعية معينة.

        المهم أن ندرك أن القيام بعمليات المثاقفة تفتح لنا آفاقا كثيرة، وتعين على فهم ما لديهم. وكيف نستطيع من خلال هذه المثاقفة أن نبدأ مرحلة تعاون. العلماء الغربيون فيما مضى روجوا لفكرة تفكيك التخصصات، وجعلها تخصصا دقيقا، وتخصصا أدق، وتخصصا فوق الدقيق... إلخ. الآن رجع جلهم إلى فكرة "الإنتيرديسبلين" "التداخل بين التخصصات" وهو ما كان عليه أسلافنا.

       فليس من المعقول أن تبقى علومنا هذه منفصلة عن العلوم الموازية. لأننا نحن أحوج لأن نعرف هذا، لأننا نريد أن نشغل دليل العقل مع دليل الوحي. ودليل العقل لأصحاب تلك التخصصات مران عليه، حيث إن العلوم الاجتماعية تقوم عليه، فهي خرجت من رحم الفلسفة.

       فإذا جمعنا بين ما ذكرنا من التركيز على كليات القرآن والمقاصد العليا الحاكمة فيه : التوحيد، والتزكية، والعمران، وتعلمنا كيف نرد الجزئي إلى الكلي، وتعلمنا كيف نعاير الأدلة المختلف فيها إلى القيم العليا الحاكمة، وبعض الجزئيات الفقهية الأساسية إلى غير ذلك، وتعلمنا كيف ندرس الفقه في إطار المجتمع الذي أنتجه، وقضايا ذلك المجتمع ومشكلاته، ونحاول أن نستنبط الحالة الاجتماعية من خلال الفقه الذي تم تأسيسه في تلك المراحل. أنا أعتقد أن ذلك سوف يساعدنا على تجديد له معناه.

       وكذلك ضرورة العمل على تحديد المفاهيم في منتهى الدقة مثل العرف، مثل المصلحة. ومعهد الدراسات المصطلحية له عناية في هذا الاتجاه إلى حد كبير. فممكن أن يساعد على تقديم إضافة لتحديد معنى المنكر، وتحديد المعروف، وتحديد العادة، وتحديد العرف، وتحديد الاستحسان، وتحديد المصلحة. هذه كلها ربما تعطي للبحث الأصولي دفعة جيدة. والله أعلم.

       س : لا يخفى أن علم أصول الفقه أثرت فيه المذهبية الكلامية، أو كتب بخلفية كلامية. كان لها تأثير كبير جدا على مباحثه ومسائله وقضاياه، أكثر في تصورنا من تأثير المنطق الأرسطي. يظهر هذا جليا في بعض المباحث التي إذا تأملناها وحللنا تركيبها، نجد أثر المذهبية الكلامية باديا عليها. من مثل الواجب وما وقع فيه من خلاف بين المعتزلة والأشاعرة من حيث تعريفه، والنسخ وبعض مسائله... إلخ. فهل تجديد علم أصول الفقه يحتاج إلى خلفية كلامية جديدة على ضوئها يتم بناء وصياغة مباحثه وقضاياه ؟

       ج : الخلفية الكلامية يكفينا فيها أن ندرس التوحيد بدقة وبشمول، نتعلم كيف نعكس أضواء التوحيد، وأنوار التوحيد على مناحي الحياة المختلفة. وكيف نجعل منه كليا ننظر إلى الجزئيات من خلاله. أعتقد أن هذا يكفي ويغني تماما عن أية خلفية كلامية أخرى موروثة. فليس لدينا معتزلة. والذين يقولون نحن أشاعرة أو كذا وكذا، فتلك دعوى لا دليل عليها. نحن الآن نتكلم عن مذاهب انقرضت وما بقي منها إلا معالم في غاية البساطة. ليست لدينا مشكلة نسميها خلق القرآن. كثير من تلك  المشاكل، التي كانت قد اختفت. مثلا ما عندنا جدل كبير حول حكم الأشياء قبل الشرع، وخطاب المعدوم، والخطاب الموجه لأهل العصر هل يشمل العصر التالي.

       والجماعات الكلامية خلطوا بين الفلسفة وبين الكلام وبين علوم الأوائل. وخرجوا بتركيبة عجيبة غريبة جدا. ليس من السهل الاستمرار فيها. فأنا أعتقد أن التوحيد يغنينا عن الخلفية الكلامية. ولكن معرفة التوحيد معرفة معرفية، كيف ينعكس التوحيد على فنون المعرفة المختلفة ؟ محمد عبده قام بمحاولة جيدة في كتاب (رسالة التوحيد) لتكريس هذا المفهوم وهذا المعنى. وكتبت كتيبا صغيرا حول التوحيد وانعكاساته ودلالته المعرفية. الشيخ مطهري عنده كتاب في هذا الاتجاه. يمكن أن تنمى الدراسات في مفهوم التوحيد باعتباره قيمة عليا حاكمة، وأصلا شرعيا حاكما، ليكون هو الخلفية الكلامية. والله الغني عن ذلك الميراث الكلامي الذي لم يصبنا منه إلا المتاعب والمشاكل. وأما الكلام الجديد الذي نحن في حاجة إليه فهو كيف نحاور هؤلاء أهل الكتاب الآخرين، كيف نحاور الفرق التي تنشأ ؟

       نحن لا نواجه الآن المعتزلة ومن إليهم. فيجب أن يكون اهتمامنا بمناقشة الشيوعي، والوجودي، واللاديني، والعلماني، والقومي، وكذا...إلخ. فهؤلاء الذي على علم الكلام أن يهتم بمناقشة مقولاتهم وتفنيدها، أو بيان أين تلتقي أو تتقاطع مع التوحيد والقيم الحاكمة.

       س : إذن في نظركم أن هذه المذهبية الكلامية أصبحت متجاوزة ؟

       ج : أنا أعتقد لابد من تجاوزها.

       س : كلها أو بعض المسائل والقضايا منها ؟

       ج : ما يعنيني 90 % منها. أنا عندي التوحيد. وينبغي أن أجعل التوحيد هو المنطلق والأساس وعلي أن أعكسه على كل شيء، أن أجعله الكلي الذي أربط فيه الجزئيات التي أنا في حاجة إليها.

       س : أستاذنا الكريم، سمعت هذه الأيام بالاحتكاك بكم أن لكم وجهة نظر في ترتيب الأدلة، أو في تحديد الأدلة نفسها. يبدو أنكم تفردتم بها عمن سبقكم. فأنا أود تبيان مسلككم ومنحاكم في تحديد الأدلة وترتيبها. ثم هل الدليل العقلي دليل مستقل عندكم في بناء الأحكام عليه، أو هو منهج وأداة للنظر في النصوص ؟ ثم إذا كان الدليل العقلي مستقلا فلا جرم أنه سيكون في مقابل الأدلة النقلية، مع العلم أن الأدلة لا تتعارض. فكيف ترون حل هذا الإشكال من جهة تراتبية الأدلة ؟

       ج : أعد من البداية، وخذها واحدة واحدة ؟

       س : أولا وجهة نظركم في ترتيب الأدلة ؟

       ج : في ترتيب الأدلة، أنا أعتقد أن هذا الترتيب، أو التراتب تراتب الأدلة لا أتبناه، ولا أراه هو الموقف الأسلم. الموقف الأسلم أنه لدينا مصدر واحد منشئ هو القرآن الكريم (إن الحكم إلا لله) (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) فللتعليم القرآن الكريم مصدر منشئ. والقرآن الكريم تبيان لكل شيء كما وصفه الله تبارك وتعالى.ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه هو حامل القرآن ومبلغه، ومبين الذي اختلف فيه الناس. والآية من سورة النحل تقول له عليه الصلاة والسلام (وأنزلنا عليك الكتاب لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) سواء في الفهم، أو في الإدراك، أو في أي مستوى عليه الصلاة والسلام يبين هذا. إذن السنة عندي لا تنفصل عن القرآن إطلاقا. لأن القول بأن السنة مستقلة عن القرآن الكريم، ودليل ثان، ومصدر ثان للتشريع، فيه ما يلي :

       فيه أولا أن الذين قالوا بهذا، قالوا بأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، وهذا خطأ عظيم. الشهرستاني في أول (الملل والنحل) تحدث عنه وآخرون. وتقبل الأصوليون ذلك ومر عليهم بهذا الشكل. والعكس هو الصحيح، أن القرآن مطلق، والمطلق لا يتناهى، والوقائع نسبية، والنسبيات تتناهى. فملايين أو بلايين الجزئيات أمام كليات القرآن مندرجة ومضمومة. ولا يمكن أن تند جزئية عنها لو عرفنا كيفية التعامل مع كليات القرآن الكريم والسنة التي تبين لنا الذي اختلف فيه.

       فأنا لا أفصل السنة وأجعل لها كيانا مستقلا عن القرآن. لأنني لا أومن بتناهي النصوص. النص القرآني مطلق، والوقائع هي التي تتناهى. لأن النص القرآني الكلي يسمح بإدراج بلايين الجزئيات، حينما أعرف كيف أتعامل مع الكلي. فإذن لو قلت إن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، ما الذي سأفعل في وقائع اليوم، أين أضعها والنصوص قد انتهت ؟ وإذا قلنا بذلك سوف نجعل القرآن تاريخاني كما يقول أركون وسواه. والقرآن ليس بتاريخاني. القرآن كتاب الله المطلق الذي سيستمر إلى يوم الدين هو (النبي) المقيم بيننا.

       ففكرة النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، فكرة جنت على العقل الفقهي والأصولي جناية كبيرة. ينبغي إعادة النظر فيها لنقول : النصوص والجزئيات كلها يمكن أن تندرج تحت كليات القرآن، إذا عرفنا كيف نشغل عقولنا وآليات الاجتهاد التي من الله علينا بها. وكيف نستطيع أن نلحق الجزئي بالكلي. وكيف نستطيع أن نستنبط الكلي، ونحدد الفرق بين الكلي والجزئي. هذه واحدة.

       فعملية تراتب الأدلة بنيت على تلك الفرضية الخاطئة. فقيل : إن نصوص القرآن محدودة، ثم جاؤوا بعد ذلك ليقولوا : القرآن حمال أوجه. وهذا غير صحيح. القرآن حمال أوجه لماذا ؟ لأن القرآن بإطلاقيته تتكشف معانيه عبر العصور. ولذلك كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم إدراكا منهم لهذا المعنى يقولون :" هذا مما لم يأت تأويله بعد." قوله تعالى (يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) التأويل يعني أن يفسر الواقع ذلك النص في الدنيا أو في الآخرة. "لما يأت تأويله"، يعني لما يأت الواقع الذي يمكن أن يرتبط هذا النص به، فيمسكون عن البحث فيه. القرآن ليس حمال أوجه. القرآن مبين ميسر، تبيان لكل شيء. نحن ظلمناه. الله سبحانه وتعالى يقول (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (أفلا يتدبرون القرآن) لو كان حمال أوجه لا يستطيع الإنسان أن يحيط بأوجهه، أو أن يلم بها. لكان الأمر بقراءته وتلاوته وتدبره والتفكر فيه وتعقله والتذكر فيه، لكان كل ذلك يعد من تكليف ما لا يطاق. وتكليف ما لا يطاق منفي بالقرآن (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).

       السنة النبوية المطهرة ليست مصدرا ثانيا بل هي مصدر مبين تقف إلى جانب القرآن، جاهزة للبيان. حينما نختلف على شيء، فهي التي تحسم هذا الاختلاف، من خلال الموقف النبوي. فرسول الله طبق هذه الآية بالشكل الفلاني. قال (أقيموا الصلاة) الرسول عليه الصلاة والسلام صلى وبين كيف تقام الصلاة. فالسنة طبقت ونفذت وبينت القرآن، لأن رسول الله اتبع ما أوحي إليه (اتبع ما أوحي إليك) فهو مأمور بالاتباع. فالسنة موقعها إلى جانب القرآن، ليست بعيدة عنه. تدور حوله حيث دار، وتدور حول محوره بدون أي اختلاف أو تناقض أو تناسخ.

       نحن لما فكرنا أنهما عنصران مستقلان وقلنا مصدر ثان ومصدر أول. وإذا لم نجد في كتاب الله بحثنا في السنة، هذا أمر لا ينبغي أن يستمر. إذ كيف لا نجد في كتاب الله ؟ والله يقول فيه (تبيانا لكل شيء) إذا كانت عقولنا عاجزة أو كليلة، فغيرنا يمكن أن يمن الله عليه بشيء آخر،  يصل إلى ما لم نصل إليه.

       الإمام الشافعي قال : قرأت القرآن ثلاث مرات من أجل أن أعثر على دليل على حجية الإجماع فوجدت قوله تعالى : (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) بقطع النظر عما يمكن أن نقوله نقاشا لهذا الاستنباط من الإمام. ولكن هذا هو الطريق، هذا هو المنهج السليم، أن تقرأ القرآن المجيد لكي تستنطقه، أو كما يقول ابن عباس: ثوروا القرآن. لكي تستنطقه، ولكي تأخذ منه. القرآن الكريم كريم يسره الله تعالى للذكر. فكيف أقول هو (صعب)، الله يقول : (تبيانا لكل شيء) ونحن نقول : لا. فيه أشياء ما بينتها، علي أن أبحث عن مصدر آخر. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسعه إلا أن يتبع القرآن، لأنه مأمور بالاتباع، ومأمور بالتبليغ، ومأمور بتقديم الأسوة العملية، التي يستطيع الناس أن يروه،               ويستطيعون أن يتبعوه. فإذا الفصل بين السنة والكتاب لا ينبغي أن يقع، لأنهما يدوران حول محور واحد.

       فالكتاب الكريم له مقاصده وكلياته ومحاوره، وهو الشيء المقيم الدائم إلى يوم الدين. أما السنة النبوية فتبين للناس كيف يطبقون هذا القرآن، وكيف يتبعونه، وتعالج الذي يختلفون فيه، سواء بالتطبيق النبوي العملي، أو القولي، أو التقريري. وكل ذلك جعل من السنة أن تظل محفوظة. فالقرآن محفوظ بحفظ الله تعالى، والسنة محفوظة بالقرآن. من هنا نرى أن القول باستقلالية السنة بالتشريع أمر غير واقع. لأننا وجدنا الإمام الشافعي جامع الأصول، يذهب إلى أنه : "ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها." الرسالة 20 فإذن فنحن لا نقول بهذا التراتب لأنه وقع على مجموعة فرضيات خاطئة، تحتاج إلى إعادة النظر والمناقشة الجادة.

       س : إذن فالأدلة عندكم أستاذي منحصرة في الكتاب والسنة والعقل، أو النص والعقل ؟

       ج : نعم النص والعقل. والعقل بالنسبة إلي أداة منهاجية، يفسر النص  ويؤوله عند الحاجة. فمهمته أن يقدم أو يرفع سؤال الواقع إلى النص ويستنطقه. فحينما تقع مشكلة ما، ولها جوانب متعددة، طبية واقتصادية وسياسية واجتماعية، فنسأل الطبيب وعالم الاقتصاد وعالم الاجتماع وعالم السياسة، كل في تخصصه. ثم استخلاص واستيعاب المعطيات المتعلقة بالمشكلة، ونتصورها كما هي في الواقع. أرجع بعد ذلك لآخذ الجواب من النص، وأعمل بمعطيات العقل التي هي معطيات العلوم الاجتماعية وغيرها، على إنزال هذه القيمة في الواقع الذي يعيشه الناس.

       على أن العقل ليس مصدرا للتشريع، وإنما هو مصدر للاجتهاد والاستنباط، حيث يفسر النص ويؤوله، ويقوم بعملية تكييف الواقعة مع النص. لأن الجواب الشرعي يقوم على دعامتين اثنتين :

1 - النص الشرعي المتعلق بذلك الفعل.

2 – تكييف النص بالواقعة.

        ولذلك يقولون السؤال نصف الجواب، فإذا لم يصغ السؤال بشكل دقيق، أو لم توصف الواقعة بشكل دقيق، خسرنا الأمر كله. فلا بد إذن من إعمال العقل في الاجتهاد باعتباره أداة منهاجية.

       س : لكن أين تضعون الإجماع والقياس في هذا الترتيب الذي تتبنونه ؟

       ج : أما القياس فقد اضطر إليه القائلون به –أيضا- بدعوى أن النصوص متناهية. لأن تناهي النصوص –حسب هؤلاء- وعدم قدرتها على استيعاب الوقائع، جعلهم يبحثون عن مصدر آخر، فأنشأوا القياس. ولكن الإمام ابن حزم انتهى إلى أن يستنبط من الأدلة الكلية، كليات يحولها إلى قواعد تغني عن القياس. وبالرغم من ذلك ، فليس لدينا مانع من أن يدخل القياس في الدليل العقلي.

        وأما الإجماع فمجرد دعوى، حتى قيل من ادعى الإجماع فهو كاذب. فمتى حصل الإجماع ؟ فالقول بالإجماع كان من ورائه خلفيات سياسية، وخلفيات مختلفة. لكن إذا أردت المعلوم من الدين بالضرورة. فهذا حجيته بأنه معلوم من الدين بالضرورة، لا يحتاج إلى إجماع عليه. فمثلا إذا رجعنا إلى كتب الفقه نجد الصلاة تثبت بالكتاب والسنة والإجماع. نعم تثبت بالكتاب والسنة، لكن ماذا يعني الإجماع ؟

       س : يعني أن الإجماع دال على وحدة الفهم حتى لا يقع الخلاف، فهو بمثابة دليل معضد.

       ج : الدليل إما أن يكون دليلا يفيد المدلول بنفسه، أو لا يكون. إذا كان دليلا يفيد المدلول بنفسه فلا نحتاج إلى تعضيد. التعضيد استئناس، بيان حكمة، فلا دخل له في الدليل. ولذلك جرى نقاش وجدال في أبواب القياس حول مدى جواز تعليل الحكم بعلتين. وجمهرتهم على أنه لا يجوز تعليل الحكم بعلتين. لأن العلة الأولى أثبتت، والعلة الثانية فما موقعها. لا موقع لها.

       س : أستاذنا الكريم لأستاذنا أحمد الريسوني وجهة نظر في ترتيب الأدلة في إطار مشروعنا  تجديد علم الأصول، وهي بالطبع لا تزال قيد الدراسة والبحث، مفادها أن الأدلة : النص والمصلحة. ما رأيكم في هذا المسلك في تحديد الأدلة ؟

       ج : أنا أقول النص والعقل، والمصلحة داخلة فيه. فيمكن تحديد المصلحة في إطار عقيدة. فلو سألنا المغاربة أين المصلحة في –مثلا- تعدد الزوجات ؟ مثل ما طرحت الأخت عائشة الحجامي من تقييد المباح في مسألة تعدد الزوجات. وهل تسمحون بتقييد المباح في هذه المسألة أم لا ؟ فالعقل والمصلحة يتدخلان لمناقشة هذه المسألة. إذن فهل هناك مصلحة في التحديد؟ أنا لا أرى ذلك. بل الذي أراه صائبا أن المصلحة في التعدد، بناء على ثلاثة أمور :

 

       الأمر الأول : أن نبني عملية التحديد على عدد الرجال وعدد النساء من ناحية. هل عندنا رجال يكفون لجميع النساء ؟ أو ليس لدينا هذا ؟ إذن سيكون عندنا فائض في عدد النسوة. فما العمل ؟

       الأمر الثاني: أن ننظر في الكفاءة المادية والقدرات المادية، وغيرها من المسائل. هل تستجيب لهذا الأمر أم لا ؟

       الأمر الثالث : أن نقوم بدراسة لظاهرة الزنا وانتشار البغاء، قبل أن نقوم بعملية التحديد، لنبحث عن الحلول الناجعة لمكافحة الزنا.

       فلا بد إذن من أن نعمل المصلحة بناء على هذه المعطيات والدراسة والبحث، قبل أن نقول بالتحديد أو عدمه. فلأن يعدد الرجال وتحصل بعض المشكلات أهون بكثير من أن يذهب بعض الرجال والنسوة إلى الزنا. فلا داعي للتمسك بالعمومات، ولا داعي لتوظيف قاعدة تقييد المباح قبل النظر فيه من كل جوانبه وحيثياته.

       س : كيف تتصورون هيكلة جديدة لعلم أصول الفقه من  خلال خبرتكم وتجربتكم ؟

       ج : ينبغي – بداية - أن ندرس – بتركيز شديد - لطلبة علم الأصول المقاصد العليا الحاكمة : التوحيد، والتزكية، والعمران. وأن يروا انعكاساتها على كافة جوانب الحياة. ثم يتعلموا كيفية ربطها بالتشريعات القرآنية. مثل آيات التشريع في سورة المائدة المتعلقة بالعقوبات. وآيات التشريع في سورة الأنعام المتعلقة بقضايا الأطعمة. وآيات التشريع الموجودة في سورة البقرة التي تناولت الربا والصدقة وغيرهما، وآيات التشريع الموجودة في الإسراء...إلخ. وندرسهم خصائص الشريعة في القرآن (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)

        فنحن نعتقد أن هذا يعتبر من البدهيات التي ينبغي أن نغرسها في عقل طالب علم أصول الفقه. على أن نبين لهذا الطالب ما يلي :

       أولا : أن القرآن مصدر منشيء، ونحدد له محاور القرآن، ونعلمه الطبيعة التشريعية للقرآن الكريم، وخصائص التشريع القرآني. فلا بد أن تكون هذه القواعد الأساسية واضحة في ذهن الطالب.

 

       ثانيا : أن السنة النبوية مصدر مبين للقرآن على سبيل الإلزام. ثم آخذ في بيان ارتباطها بالتشريع القرآني. ونعلم الطالب كيفية تضافر الكتاب والسنة على الحكم الشرعي الواحد. فلا نجعل الكتاب والسنة أدلة لوجهة واحدة، لأشياء نقوم بصياغتها خارج النص. ثم آتي للاستدلال عليها استدلالا قويا أو ضعيفا، بآية من الكتاب، أو حديث للنبي. فنحن لا نريد هذا. بل نجعل المنطلق هو القرآن الكريم، بكلياته وبتشريعاته وبطبيعة التشريع فيه، وبخصائص الشريعة فيه، وبمزاياها، لنشكل العقلية بالقرآن الكريم. وهذا هو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذن لا بد أن ندرس هذا ونركز عليه، قبل أن نعلمه الحسن والقبح، وتكليف المعدوم، وشكر المنعم التي اعتاد الأصوليون أن يبدؤوا بها. وهي قضايا فلسفية وكلامية لا قيمة لها. ولا ينبني عليها الفقه.

       أما مسألة الأحكام وتراتيبها، وانقسامها إلى حكم تكليفي وحكم وضعي فتحتاج منا إلى إعادة نظر. لأن وراءها أفكارا كثيرة. فلا بد أن نعالجها في ضوء القرآن الكريم ولغته. فننظر فيه كيف يطلق المحرم، وكيف يعالجه. يعقبه مثلا (إنه كان فاحشة ) يقول (فأذنوا بحرب من الله ) يجب أن يتعلم طالب علم الأصول هذه اللغة. لغة القرآن الكريم. لما نعتبر الربا من المحرمات الخطيرة، نعتبر الشرك (لظلم عظيم) ونعتبر الزنا (إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا). فلا يوجد أي لفظ في القرآن، يعتبر لفظا مكررا أو مترادفا، أو لا معنى له، وإنما هي مقصودة. فمن خلالها ينبغي أن نعيد النظر في درجات الحرام، وفي درجات الواجب وغيرهما. يعني كيف يؤكد القرآن على الواجب. وكيف يؤكد على النهي عن الحرام...إلخ

       إذا سلكنا هذا الاتجاه نأتي بعد ذلك إلى قضايا الاستنباط ووسائل الاستنباط. وللغة فيه دور مهم، وهي لغة النص. فقد رأينا الأصوليين في مباحث اللغات، يسقطون كل ما في الكلام العربي على لغة القرآن. مع العلم أن لغة القرآن تتميز بإعجازها وطريقتها في التعبير...إلخ. فلا يكفي أن نقول : إن الأمر إذا جاء في صيغة (إفعل) فهو للوجوب. وما جاء في صيغة (لا تفعل) فهو للتحريم. فهذه المسألة لا بد من إعادة النظر فيها في ضوء لغة القرآن، وفي ضوء لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا في ضوء القواعد اللغوية التي حكمناها. بحيث يقول بعضهم : اقتران رب ب(ما) ويأتي بعدها الفعل المضارع هذا ممنوع لغة، وجاء شذوذا في قوله تعالى :"ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين". هذه جريمة أنك تجعل كلام البدو بهذا الشكل هو القاعدة. يجب أن تكون لغة القرآن هي القاعدة، ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي القاعدة. وهي التي تتحكم في هذا. فليس صحيحا –مثلا- أن نقول: الصلاة حقيقة في الدعاء، مجاز في الأقوال والأفعال المتبعة. فهذا غير صحيح. صحيح أن بعضهم قال بالحقيقة الشرعية وفرق بينها وبين الحقيقة اللغوية. ولكن نحن في حاجة أن نجعل من القرآن والسنة منطلقا حقيقيا للتشريع.

       على إثر هذا ينبغي أن نعيد النظر في كثير من القضايا الفقهية التي بنيناها على أصول، نستطيع مراجعتها. والله أعلم.

       س : هل يفهم من هذا ضرورة وضع معجم لغوي للقرآن الكريم منفصل عن اللغة العربية ؟

       ج : طبعا، هذا جوهر القضية. وهو المعجم الأصولي الذي ينبغي أن نحكمه في قضايا الاستنباط. فهو يمثل بذلك لغة القرآن المستنبطة من القرآن ذاته، ومن السنة المبينة له. بل نستطيع القول أننا في حاجة إلى دراسة مستقلة لكل كلمة قرآنية أو سنية لها علاقة بمسائل التشريع. على أن نستفيد في هذا من كتب اللغة مثل الكتاب لسيبويه، والخصائص لابن جني وأمثالها، ومن كتب فقه اللغة مثل مفردات الراغب الأصفهاني، التي تساعدنا على أن نحدد –فعلا- معاني لغة القرآن، ومفاهيم لغة القرآن. فلغة القرآن لغة خاصة. فلو أخذنا -مثلا- قوله تعالى :"ألم أحسب الناس أن يتركوا..." فحسب، وحبس لما تتغير الكلمة نفسها أحيانا، أو يدخل أي تغيير عليها فيغير المعنى. فهي لغة تحمل مضامين خاصة.

        على أن اللغة –عندنا نحن البشر- مرتبطة بالفكر. فالإنسان يعبر عما يفكر فيه. أما لغة القرآن فهي لغة لسان الباري تبارك وتعالى، هو الذي تكلم به. فلا نستطيع أن نقول عنها محدودة بكذا وكذا. فلو تتبعنا لغة القرآن وأخذنا أي مفهوم، مثل مفهوم الرجاء، ومفهوم الخوف، والوعد والوعيد، نجد الأمر يختلف. فالقرآن لا يستخدم الرجاء إلا منفيا (لا يرجون أيام الله) لا يرجون لقاءه، لا يرجون مآبه. فلا يكفيني أن أقول : إن لا يرجون لا يخافون، وأنتهي من الموضوع. لأن هذا تفسيرا بالمرادف، أو تفسيرا بما افترض أنه بالمرادف وليس بمرادف. فنحن رأينا أن الناس لما كانت متأثرة بالقرآن إلى القرن الرابع الهجري، لأن لغته هي الحاكمة على اللغة، كانوا يستعملون الرجاء بمعناه القرآني. ثم انتهى فيما بعد ليصبح الرجاء هو الأمل والطمع.  فلو درسنا تطور اللغة العربية دراسة وافية، لوجدنا تأثير القرآن المجيد فيها واضحا، وليس العكس. فبهذا نستطيع أن نعمل تجديدا حقيقيا في كثير من القضايا الأصولية.

 بارك الله فيكم أستاذنا الكريم، وجزاكم الله خيرا.