د. عبد النور بزا القسم : أخبار الموقع عدد القراء : 51
التاريخ : 2018/01/03

مقصد حفظ النوع في علاقته بالاستخلاف والتعمير

       من المعلوم أن الشريعة مقاصد ووسائل، وبينهما ارتباط شديد. فالمقاصد متوقفة في حفظها على الوسائل، والوسائل متوقفة في اعتبارها على المقاصد، وكل منهما مقصود بقدر ما يحفظ من مقاصد الشارع ويحقق من مصالح الإنسان.

        وبناء على هذه القاعدة؛ إذا استقرينا الخطاب الإلهي ومجاري العادات في الاجتماع البشري وجدنا مقصد حفظ النوع[1] في علاقته بالاستخلاف والتعمير من آكد مقاصد الشارع الضرورية ابتداء؛ سواء على مستوى الخلق أو الأمر، وهو ما يعبر عنه في الفقه المقاصدي بـ" مقصد حفظ النفس." وفيما يلي فصل المقال فيما وضعه الشارع الحكيم لحفظه من وسائل وجود وعدما.  

        لما كان الاستخلاف هو ما جعله الله من تعاقب وتداول بين بني آدم بحيث يخلف بعضهم بعضا، -على امتداد وجودهم التاريخي- في حمل أمانة التكليف وتعمير الأرض بما يوافق قصده سبحانه ويخدم مصالح عباده من الإنجازات في جميع أبعادها الحضارية الخاصة والعامة، الدنيوية والأخروية؛ اقتضت الحكمة الإلهية تهييئ كل ما من شأنه أن يحفظ نوع الإنسان بكل ما في الكلمة من معنى؛ كما هو المستفاد من قوله عز وجل: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا.﴾        ( هود:61 ) أي خلقكم منها واستخلفكم فيها وجعلها مشتملة على كل ما يساعدكم على تعميرها بما أودعه فيها وقدره من أقوات ومصالح لا تعد ولا تحصى لفائدتكم؛ كما هو واضح من الآيات الواردة أدناه.[2] وجملة ما وضعه الشارع الحكيم لحفظ النوع البشري وتمتيعه بمختلف النعم لا يخرج عن ثلاثة وسائل بالاستقراء؛ وهي:

المطلب الأول: حفظ النوع بالطبع

المطلب الثاني: حفظ النوع بالشرع

المطلب الثالث: حفظ النوع بالردع

فما المراد بحفظ النوع بالطبع ؟

 المطلب الأول: حفظ النوع بالطبع

        المقصود بهذا النمط من الحفظ؛ هو " ما كان شاهد الطبع خادما له ومعينا على مقتضاه، بحيث يكون الطبع الإنسانـي باعثا على مقتضى الطلب ... أو كانت العادة الجارية من العقلاء في محاسن الشيم ومكارم الأخلاق موافقة لمقتضى ذلك الطلب من غير منازع طبيعي".[3][4]بمعنى أن كل ما كان من قبيل الرغبات الفطرية والمطالب الطبيعية، والعادات الجارية والقيم التكريمية، التي يندفع الإنسان إلى تحصيلها بطبيعته الفطرية؛ اكتفى الشارع في حفظها بما في النفس البشرية من دوافع وميولات جبلية نحوها، وإن لم تنص الشريعة على وجوبها وحتمية العمل على تلبيتها أو تركها، وهي كل الضروريات التي لا تقوم الحياة البشرية بدونها، كالهواء، والماء، والغذاء، والدواء، واللباس والسكن، وبناء الأسرة، والدفاع عن النفس والمال والأهل والولد، والاحتياط من الأضرار، كالأمراض وتناول السموم، والعيش في الأوساخ والمزابل، واجتناب مواطن التهلكة، كاقتحام الفيافي أو البحار أو النـيران أو المعارك بدون معدات، وغيرها من المفاسد التي يحتاط منها الإنسان بطبعه عادة؛ لأن مثل هذه الأمور وما في معناها من الضروريات العينـية أو الكفائية كالمناصب الحكومية والولايات العمومية لا تحتاج إلى أمر مؤكد من الشارع. ولذلك؛ "لم يأت نص جازم في طلب الأكل والشرب، واللباس الواقي من الحر والبرد، والنكاح الذي به بقاء النسل. وإنما جاء ذكر هذه الأشياء في معرض الإباحة أو الندب، حتى إذا كان المكلف في مظنة مخالفة الطبع، كأن يمتنع عن الأكل أو الشرب وهو في أمس الحاجة إليه، أمر بحفظ النفس من الهلاك، وأبيح له المحرم، في حالة الاضطرار إليه."[5]

        وبهذا يظهر أن كل ما كان من مستلزمات الطبع البشري؛ فهو من مفردات الضروريات وإن جاء الأمر به أو النهي عنه بصيغة الندب أو الإباحة؛ لأن ما لا تقوم المصالح الضرورية إلا به فهو منها. وهذه القاعدة من الأصول الشرعية التي نبه عليها الإمام الشاطبي حتى لا تغفل قائلا:" هذا أصل وجد منه بالاستقراء جمل، فوقع التنبيه عليه لأجلها؛ ليكون الناظر في الشريعة ملتفتا إليه. فإنه ربما وقع الأمر والنهي في الأمور الضرورية على الندب أو الإباحة والتنزيه فيما يفهم من مجاريها، فيقع الشك في كونها من الضروريات، كما تقدم تمثيله في الأكل والشرب واللباس والوقاع، وكذلك وجوه الاحتراس من المضرات أو المهلكات وما أشبه ذلك. فيرى أن ذلك لا يلحق بالضروريات، وهو منها في الاعتبار الاستقرائي شرعا. فلأجل ذلك وقع التنبيه عليه ليكون من المجتهد على بال، إلا أن ما تقدم هو المحكم المتحكم، والقاعدة التي لا تنخرم."[6]

        وفي هذا السياق يتنزل مقصد حفظ النوع البشري أيضا؛ فهو من الضروريات التي لا استخلاف ولا تعمير بدونها وهو ما عبر عنه الشاطبي بقوله:" حفظ النفس. وحاصله في ثلاثة معان، وهي: إقامة أصله بشرعية التناسل، وحفظ بقائه بعد خروجه من العدم إلى الوجود من جهة المأكل والمشرب، وذلك ما يحفظه من داخل، والملبس والمسكن، وذلك ما يحفظه من خارج، وجميع هذا مذكور أصله في القرآن ومبين في السنة."[7] وهذا يعني؛ أن كل ما تتوقف عليه الحياة الإنسانـية مباح، والحث على تناوله واضح، والعمل على تحصيله مشروع، والاستمتاع به كذلك، ويشمل كل ما       " للمكلف فيه حظ عاجل مقصود، كقيام الإنسان بمصالح نفسه وعياله، في الاقتيات واتخاذ السكن     ( الزوجة ) والمسكن واللباس، وما يلحق بها من المتممات، كالبيوع والإجارات، والأنكحة وغيرها من وجوه الاكتساب التي تقوم بها الهياكل الإنسانـية."[8] وذلك بحكم أن ما تتوقف عليه حياة الإنسان وبقاؤه؛ فهو من الفطرة المحفوظ بالطبيعة، لأن " حث الطبع أقوى من حث الشرع."[9] ومن ثم؛ فكل ما كان من الدوافع الطبيعية الفطرية لم يؤكد الشارع في طلبه، وتركه على وجه الندب أو الإباحة، اعتبارا لما في النفس البشرية من بواعث قهرية عليه، ودوافع ملحة نحوه؛ لأن " سلطان الطبيعة على الإنسان ظاهر، وهو ضابط له وقاهر."[10]

        وبالجملة؛ " فكل ما هو خادم لضرورة الحياة؛ فهو مأمور به من هذه الجهة."[11] كما سلف، وذلك ما نروم عرضه ممثلا في مجموع ما لا غنى عنه لحفظ النوع بالطبع  في علاقته بالاستخلاف والتعمير؛ وحاصله: حفظ النوع بالتزاوج، وحفظ النوع بالتغذية، وحفظ النوع بالعلاج، وحفظ النوع بالسكن، وحفظ النوع باللباس، وحفظ النوع بالعمل. وذلك فيما يلي من فروع:

 

        الفرع الأول: حفظ النوع بالتزاوج

        مما لا خلاف فيه أن أعظم ما وضعه الشارع الحكيم لحفظ النوع من جانب الوجود؛ قانون الزواج باعتباره " أصل تكوين النوع وتفريع القرابة بفروعها وأصولها… فمن نظام النكاح تتكون الأمومة والأبوة والبنوة، ومن هذا تتكون الأخوة وما دونها من صور العصبة."[12] بدءا بالأسر والعائلات ومرورا بالعشائر والقبائل وانتهاء بالشعوب والأمم؛ كما هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً.﴾ ( النساء:1 ) وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.﴾ ( الحجرات:13 ) وذلك باعتبار أن المقصد الأول من الزواج هو التوالد والتكاثر والمحافظة على النسل من التوقف والانقطاع، و كل ما سواه من المقاصد المرتبطة بنظام الزواج؛ مقاصد تبعية متممة وخادمة للمقصود الأول؛ كما قال الشاطبي:      " النكاح مشروع للتناسل على القصد الأول، ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنـيوية والأخروية، من الاستمتاع بالحلال، والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء... وما أشبه ذلك، فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح. وما نص عليه أو أشير إليه أو علم من دليل آخر من هذه المقاصد التوابع؛ هو مثبت للمقصد الأصلي ومقو لحكمته، ومستدع لطلبه وإدامته، ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف الذي يحصل به مقصد الشارع الأصلي من التناسل".[13] وهو حفظ النوع واستمراره، وعليه؛ فكل ما يحقق هذا المقصد فهو مقصود، وكل ما يعوذ عليه بالفساد فقد حماه الشارع  منه ابتداء؛ فحرم كل علاقة جنسية خارج مؤسسة الزواج. وجرم فاعلها وعاقبه أشد العقاب في الدنـيا، وأوعده أليم العذاب في الآخرة، كما في قوله سبحانه: ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون.﴾ ( المؤمنون: 5. 7 ). ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا.﴾ ( الإسراء:32 ). ﴿ والزانـية والزانـي فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله.﴾ ( النور: 2 ).    ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. وكان الله غفورا رحيما.﴾ ( الفرقان: 68 - 70 ). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:" من وجدتموه يعمل عمل قوم الفاء؛[14] فاقتلوا الفاعل والمفعول به."[15] وهو ما يقطع بأن كل الدعوات المطالبة بتحرير العلاقات الجنسية من الضوابط الشرعية والقيم الأخلاقية، وتكريس ظاهرة البغاء التجاري أو المجانـي، وإشاعة اللواط والسحاق وغيرها من العلاقات الشاذة، وتشجيع كل ما يؤدي إليها من تبرج سافر، واختلاط مائع، ودعوة إلى الإباحية، وعرض للصور العارية، والممارسات الجنسية؛ عبر مختلف وسائل الاتصال العام، كلها دعوات وسلوكات مضادة لمقصد حفظ النوع.

        وبهذا نخلص إلى أن كل علاقة جنسية تعود على النسل بالضرر، ولا تحقق المقصود منها طبعا وعقلا وشرعا وهو بقاء النوع الإنساني وإمتاعه وتنعيمه في حدود المباح بإطلاق، فهي علاقة مرفوضة في منطق جميع الشرائع، ومدانة من كافة العقلاء. ومن ثم؛ فإن كل الدعوات المنادية بإشاعة ثقافة المقاربة حسب النوع، وتحرير الجسد من القيم، وتحديد النسل العام دون ضوابط، وإلغاء المباح من الزوجات بإطلاق، دعوات مناقضة لقصد الشارع من حفظ النسل لحفظ النوع. وذلك بحكم ما في بقاء النوع الإنساني من بقاء للحياة ودوام للاستخلاف والتعمير الحضاري، وإلا أذن كل شيء بالزوال؛ كما قال أبو إسحاق:" ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء."[16] أي لو امتنع الناس عن العلاقات الزوجية لانقرض النوع البشري؛ لأن هذه العلاقات هي سبب استمرار النوع؛ كما قال الشاطبي:" النكاح سبب النسل."[17] وهو مما قصده الشارع الحكيم أيضا؛ فـ" الشارع قصد بالنكاح التناسل."[18] وذلك لما بين مقصد حفظ النسل ومقصد حفظ النوع من علاقة عضوية بحيث لا يمكن تصور أحدهما دون الآخر ألبثه.

        من هنا وجبت العناية بالثقافة والتربية الجنسية المشبعة بالقيم الإسلامية، والضوابط الشرعية، والنظرة العلمية، وتقديمها للمخاطبين بالتكاليف الشرعية كما هي في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والتراث الفقهي المقاصدي بصفة عامة. فقد تحدثت هذه المصادر عن مختلف أنواع العلاقات الجنسية، وناهضت جميع العلاقات غير المشروعة، وبينت مفاسدها، وجرمت فاعليها، وعاملت كل حالة بما يناسبها من الحلول والزواجر التأديبية. ولم تعترف إلا بعلاقة الزواج في إطار مؤسسة الأسرة، فأولته عناية خاصة، ورغبت فيه، وشجعت عليه، ودعت إلى تيسيره وتهيئة الظروف المساعدة على إنجاحه. وفصلت في جميع متعلقات الحياة الجنسية بشكل دقيق وواضح. ولم تسمح بإنشاء أي علاقة جنسية أخرى خارج هذا الإطار الشرعي. والاستقراء يبين ذلك. وكل هذا ظاهر؛ كما قال العز:" إن اكتساب الإنسان لضرورياته في ضمن قصده إلى المباحات التي يتنعم بها ظاهر؛ فإن أكل المستلذات، ولباس اللينات، وركوب الفارهات، ونكاح الجميلات، قد تضمن سد الخلات، والقيام بضرورة الحياة"[19]وهذه الضرورة هي عين مقصد حفظ النوع؛ وقم تم. وفيما يلي بيان ما لا بد له منه للعيش بالطبع أيضا؛ وهو التعذية.

 

        الفرع الثاني: حفظ النوع بالتغذية

         من ضروريات الحياة الأولية أن يتناول الإنسان كل ما يتوقف عليه وجوده، ويقوى به جسمه من  المأكولات والمشروبات؛ لكن دون " أن يكون ما يتغذى به مما يَضُر أو يقتل أو يُفْسِد."[20] وذلك كمختلف الأطعمة واللحوم والفواكه الجيدة وغيرها من الأغذية الطيبة والأشربة اللذيذة التي يؤدي الانقطاع عنها إلى ضعف الجسم، وانحلال قواه، وهلاكه بالمرة.[21] وهو ما يقطع بأن توفير الأمن الغذائي؛ بكل ما في الكلمة من معنى؛ من آكد ضروريات الاستخلاف والتعمير، وإلا فلا معنى لما خلقه الله من النعم والطيبات من الرزق؛ إذا كان الإنسان لا يستفيد منها ولا يسخرها في تحصيل مصالحه العمرانية، وهي متوفرة بما يكفي ملايير البشر إلى يوم القيامة؛كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.﴾ ( الحجر:19. 21 ). وقال: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ.﴾ ( فصلت:9 .10 ).

        وعليه؛ فإنه لا سبيل إلى استمرار النوع البشري ولا قيام بمهمة الاستخلاف الحق إلا بحل مشكلة الغذاء، وهي في عمقها ليست مشكلة موارد أو ثروات طبيعية؛ بل هي مشكلة إنسانية بالأساس؛ مردها إلى الظلم الاجتماعي، وعدم توزيع الخيرات بين الناس بشكل عادل؛ إذ هناك قلة من المترفين يموتون من مرض التخمة، بينما هناك من يموت من عظة الجوع وهم بالملايين. وأكثرهم من الأطفال.!

        ولهذا فمن الواجب على ولاة الأمر أن يتحملوا مسؤوليتهم فيتدخلوا لضمان كل ما يحتاجه الفقراء من ضروريات الحياة متى لم يتمكنوا من تحصيلها لسبب ما؛ كما قال ابن حزم:" و فرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، و يجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين بهم. فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة."[22]

        وللأسف الشديد؛ فإن كثيرا من الحكام والمسئولين في هيئات وطنية ومنظمات عالمية  لا يخجلون وهم يتحدثون عن " حقوق الإنسان " و " حقوق الطفل " وأغلبهم لا يترددون في الأمر بإلقاء الأطنان من المواد الغذائية في البحر بدلا من تقديمها للمحتاجين إليها في كثير من البلدان الفقيرة. !! وكل هذا مناقض لقصد الشارع من الاستخلاف وإقامة العمران البشري؛ وذلك لسبب بسيط وهو أن الإنسان مستخلف من الله في ملكية المال على أساس الانتفاع به في حدود ما يوافق مقاصد الشريعة ويحقق مصلحة الجماعة بالاستقراء التام لآيات الرزق والتسخير والإنعام والاستخلاف والإنفاق والتصرف[23] وغيرها من الآيات القاطعة بأهمية المال وتمكين الجماعة الإنسانـية منه وتحميلها المسؤولية أمام الله عن تصرف أفرادها في الثروة، بما لا يتعارض مع قصد الشارع وخدمة مصالحها، إذ الفرد مسئول عن تصرفه في الثروة التي تحت يده، فكل تصرف فيه إضرار بالجماعة موجب لنزع تلك الثروة وردها إلى المستخلف الحقيقي وهو الجماعة…

        وهذا يعني أن الخلق كلهم عيال الله؛ ومن ثم فلا حق لفرد أن يستأثر بثروة والناس جياع؛ فالأرض كلها مائدة الله، والخلق كلهم عباده يأخذون منها على قدر جهودهم دون إسراف ولا حرمان بسبب عجز، ولا احتكار، ولا ظلم ولا استغلال.[24] لأن ملكية الإنسان لا تعدو تمكينه من حق الانتفاع وفق مصلحة الجماعة، ولا حق للعباد في ملك الرقاب، وإن أطلق توسعا. وهو ما يفيد بأن الملكية وظيفة اجتماعية،[25] وللإنسان الحق في الانتفاع الخاص بما تحت يده من أموال، وعليه واجب النفع العام فيما يملك، ومتى أخل بهذه الوظيفة الاجتماعية في ممتلكاته الخاصة، إما بتعطيلها عن الإنتاج، أو بتحويلها إلى أداة استغلال للغير، أو بصرفها فيما يناقض قصد الشارع، أو يخل بالمصلحة العامة، دخل تحت طائلة الحجر عليه، بحيث لا يبقى له من المال إلا ما تقوم به حياته من لوازم العيش الضروري. لأنه لم يعد أهلا للاستخلاف فيه. ولعل هذا من الحكم التي لأجلها أمر الله تعالى بالحجر على السفهاء، في قوله: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا.﴾ ( النساء:5 ). ونهى عن الإسراف والتبذير في المال الخاص والعام؛ كما في قوله: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.﴾ ( الأعراف:31 ). وكل هذا رعيا من الشارع الحكيم لأعظم مقومات الاستخلاف والتعمير وهو ضمان العيش الكريم للجميع على مستوى الأمن الغذائي، وليس كواقع الحال العالمي اليوم شاهد بصحة هذا المعنى. وإذا وضحت أهمية التغذية وضرورتها لحفظ النوع في علاقته بالاستخلاف والتعمير، فلننظر فيما لا بد منه للإنسان أيضا وهو ضرورة العلاج.

 

        الفرع الثالث: حفظ النوع بالعلاج

        وكذلك العلاج؛ فهو من ضرورات الحياة الإنسانـية، بحيث لو منع استعمال الأدوية والعقاقير وإجراء الفحوص الطبية والعمليات الجراحية مع الحاجة إليها لتضرر الناس بذلك كثيرا، كما قال الإمام الجوينـي:" وأما الأدوية والعقاقير التي تستعمل، فمنع استعمالها مع مسيس الحاجة إليها يجر ضرارا."[26] وهو ما تنزهت الشريعة عن الإتيان بمثله، فقد جاءت داعية إلى الاستشفاء، موصية بإعمال المباح من الأدوية كما في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام."[27] وقوله:" إن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء جهله من جهله، وعلمه من علمه."[28] وهو ما يفيد بأنه ليس هناك مرض لا دواء له، اللهم إلا إذا كان غير مكتشف. ففي هذه الحالة يكون المريض في حالة ضرورة. ومعلوم " أن الضرورات تبيح المحظورات، فيجوز التداوي بالنجاسات، إذا لم يجد المضطر طاهرا يقوم مقامها، لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة. ولا يجوز التداوي بالخمر على الأصح، إلا إذا علم أن الشفاء يحصل بها، ولم يجد المضطر غيرها."[29]

        وقس عليه ما قد يتنزل في هذا السياق من قضايا صحية كثيرة تحتاج إلى معالجة طبية؛ كقضية بتر الأعضاء وزراعتها بمثيلاتها سواء كانت حقيقية أو اصطناعية متى اضطر إليها هذا المريض أو ذاك. فهذه النازلة من الضرورات التي تبيح المحظورات مع تقديرها بقدرها وضبطها بشروطها حتى تحقق مصالح المضطرين دون أن تناقص قصد الشارع في حفظ النوع.

        وهو ما يقطع بضرورة توفير ما يكفي من الخبراء والأطباء في مختلف التخصصات؛ لضمان الأمن الصحي لجميع المصابين، وتيسير الإسعافات الطبية لكل المتضررين، وإشاعة الوقاية من الأمراض، والإصابات الخطيرة؛ كالحريق الناري أو الكهربائي، أو الغرق والاختناق والتسممات، وحوادث السير والآلات، ومضاعفات الغازات والإشعاعات النووية وغيرها، وكل ما يلحق الضرر من قريب أو بعيد بحق الحياة وحرمة الجسم البشري. وإعطاء الأدوية وإجراء العمليات بالمجان، أو بثمن لا يرهق كاهل المستضعفين. ومحاسبة ومتابعة المتهاونـين في القيام بواجبهم في حفظ الحياة البشرية من الأطباء والممرضين والصيادلة، وكل من أخل بمسؤوليته الطبية بصفة عامة. كما قرر ذلك ابن رشد فيما نصه:" وأما الطبيب وما أشبهه، إذا أخطأ في فعله، وكان من أهل المعرفة، فلا شيء عليه في النفس، والدية على العاقلة فيما فوق الثلث، وفي ماله فيما دون الثلث. وإن لم يكن من أهل المعرفة، فعليه الضرب والسجن والدية إجماعا."[30] وهو يقتضي الحرص على تكوين الأطباء بما يجعلهم بارعين فيما يسند لهم من تخصصات في مختلف المجالات الاستشفائية.

        قال ابن القيم:" إن الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمراً وسردها ونظرا لطولها نكتفي منها بذكر الأمر العشرين لأهميته؛" وهو ملاك أمر الطبيب؛ أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على ستة أركان؛ حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج. وكل طبيب لا تكون هذه أخيته* التي يرجع إليها؛ فليس بطبيب."[31]

        وبهذه الجملة من الإجراءات تكون الأمة في صحة وعافية فتصبح أقدر على القيام بمهمة الاستخلاف والتعمير الحضاري عن جدارة واستحقاق. وذلك بخلاف ما لو بقي أبناؤها يعانون من مختلف الأمراض والعلل ولا يجدون لأبدانهم علاجا منها في بلدانهم؛ فإنها ستظل عالة على غيرها من الأمم في مختلف مجالات الاستخلاف والتعمير العام كما هو واقع حالها اليوم للأسف الشديد

وإذا تقرر هذا فلنمض للنظر فيما لا بد منه أيضا لحفظ النوع في علاقته بالاستخلاف والتعمير، وهو ضرورة السكن.

 

        الفرع الرابع: حفظ النوع بالسكن

        وكذلك هو السكن، فإنه من مقتضيات الحياة الإنسانـية، ولا غناء لأحد عنه، وهو ما جعل تحصيله -امتلاكا أو استئجارا- من آكد المقاصد الشرعية والمصالح الإنسانـية؛ إذ " لو لم تجز إجارته لكان أكثر الناس مطروحين على الطرقات متعرضين للآفات وظهور العورات، ولانكشاف أزواجهم، وبناتهم، وأمهاتهم، وأخواتهم".[32] وغير ذلك مما يلحقهم من الأضرار والمفاسد الناجمة عن انعدام السكن عادة، وهو ما تنزهت الشريعة عن إقراره، وتكليف الناس بتحمله؛ إذ لا تكليف فيها بما لا يطاق؛ كما هو معلوم باتفاق.[33]

        وعليه؛ فإن السكن قد كان وما زال من أهم مظاهر العمران ومقومات الاستخلاف العام؛ وذلك باعتباره مأوى الإنسان الذي يجد فيه كل ما يسكن إليه من معاني الأمن والاستقرار الاجتماعي والاطمئنان النفسي والسكينة الذاتية، ويشعر فيه بالهدوء والراحة والخصوصية وغيرها من النعم التي لا يقدر قيمتها وأهميتها إلا من فقدها ممن لا ملجأ لهم غير العيش في العراء. وكل هذا مناقض لقصد الشارع الحكيم من الاستخلاف والتعمير الحضاري اللائق ببني آدم. ولا ينسجم مع ما امتن به سبحانه على الناس و" ذكره لهم من تمام نعمه عليهم، بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها سائر وجوه الانتفاع."[34] سواء كانوا أهل مدن وحواضر يشيدون البيوت بمختلف مواد البناء قديمها وحديثها، أو كانوا رحلا متنقلين بين الصحاري والبراري يقيمون الخيام والقباب والفساطيط من الشعر والصوف والوبر؛ سيرا على ما استقرت عليه العادة من تبعية شكل السكن لطبيعة البيئة التي يعيش فيها الناس؛ كما هو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ.﴾ ( النحل: 80 ) وهو ما يقطع بأن السكن في النظر المقاصدي ليس شيئا ثانويا تحسينيا يمكن الزهد فيه دائما أو مؤقتا؛ بل هو من الحاجات العامة المنزلة منزلة الضرورة الخاصة التي لا يمكن الاستغناء عنها ولا تأجيل الحصول عليها إلى حين. وواقع الحال خير شاهد. فمعظم الناس مهمومون بمشاكل السكن والتفكير فيه ليل نهار، وقد أعيى غلاء الكراء أكثرهم، فأصبحوا في ضيق من العيش وقد بلغ بهم الجهد حد التساؤل باستمرار عن جواز التوسل إلى امتلاكه بما لا يحل في وقت قد قلت فيه ذات اليد الحلال، وعمت فيه البلوى بالمعاملات الربوية.

        فماذا هم فاعلون -والحالة هذه- وقد أهملت غالبية الدول التفكير في حل هذه المعضلة الاجتماعية بما يوافق قصد الشارع، ويستجيب لمطالب الناس ؟ 

        فهذا سؤال جدير بالنظر فيه والإجابة عنه بما يعالج هذه الأزمة التي لا سبيل للحديث عن الاستخلاف والتعمير بحق دون معالجتها على الفور وبكل جد. وإلا فعن أي استخلاف نتكلم ؟ وعن أي تعمير نتحدث والناس يعانون الأمرين في هذا المجال الحيوي ؟

        وللإسهام في حل هذه المعضلة الاجتماعية نقدم هذه الإجابة من خلال الفقه المقاصدي عسى أن يكون فيها ما يفيد المعنيين بالأمر.

        إن أزمة السكن، وصعوبة الحصول عليه، ليست جديدة على الفقه المقاصدي؛ إنما هي مما استأثر باهتمام إمام المقاصديين الجويني منذ القرن الخامس الهجري، فافترض وقوعها، واجتهد في معالجتها بما يناسب وقت عموم البلوى بالحرام، وشيوع المظالم، وتعطيل الشرائع، وقرر بوضوح أن السكن من آكد ما تمس إليه حاجة الإنسان، بحيث متى وجد الناس أرضا مباحة، فلهم الحق في التحول إليها، وإحيائها وإنشاء مساكنهم بها. وإن تعذر عليهم التحول وكانت أكرية الدور مناسبة لمداخلهم فليقتصروا على ذلك. ومتى لم يبق الكراء بثمن بخس، وقد عمت المظالم الاجتماعية، وحادت المعاملات عن القوانـين الشرعية، وعمت البلوى بالمخالفات، ولم يجد المحتاجون من الناس من يقرضهم قرضا حسنا، ويصبر عليهم إلى ميسرة، جاز لهم – والحالة هذه – التوسل بما لا يحل لإنشاء مساكنهم، قصد الانتفاع الأسري بها، لكن دونما زيادة على قدر الحاجة، ولا تطاول في بنائها بالترف والتجمل الزائد. ودونما جعلها للاستثمار أو للاتجار، كما هو المستفاد من كلام إمام الحرمين الوارد في الهامش أدناه.[35]

        وما قاله هذا الإمام الفذ؛ مداره على قاعدة الاضطرار. وما أبيح للضرورة أو الحاجة الماسة لا يتعداها، والأصل في الضرورة ما لا يعيش الإنسان إلا به، ويهلك أو تتضرر مصالحه ضررا شديدا بفقده.

        والسكن من هذا القبيل، إذ يتضرر فاقده في مصالحه كلها ضررا فادحا، وقد يهلك هو وأهله وماله لأجل ذلك كما هو مشاهد.

        وبموازاة مع هذا كله، لا بد من استحضار الشروط التالية أثناء الاقتراض من أجل السكن:

-  أن تكون ضرورة السكن أو الحاجة إليه محققة لا متوهمة، بحيث يكون الإنسان عرضة للشارع إذا لم يحصل على سكن يحفظ كرامته.

-  أن تكون الأكرية باهظة، بحيث تضيق معيشة الأسرة بسببها ضيقا شديدا لا يطاق.

-  أن تغلق أبواب التوسل بالحلال لاقتناء السكن أمام المضطر إليه كلية، بحيث لا يجد الإنسان من يقرضه قرضا حسنا ويصبر عليه إلى ميسرة.

-  أن يقترض المضطر ما يكفيه لإنشاء سكن يسعه وأهله وأولاده، بحيث لا يتطاول فيه بالبنـيان، ولا يبالغ فيه بالتزيين والتأثيث.

-  أن يرد المضطر ما اقترضه في أقصر مدة ممكنة، وأن لا ينتظر استيفاء أجل أداء القرض، متى أمكنه ذلك.

-  أن يعتقد المضطر بحرمة القرض الربوي ابتداء، وأن ما أبيح له منه هو مجرد استثناء للضرورة، أو للحاجة الماسة، يقدر بقدرها ويزول بزوالها وليس قاعدة ولا أصلا.

-   أن يعرض كل صاحب حالة اضطرار؛ حالته الخاصة على الثقاة من أهل العلم للنظر فيها وتقديم الفتوى المناسبة لها.

-  ولتجاوز هذه الأزمة لا بد من العمل الجماعي بجد من أجل التمكين لشرع الله، والعودة بالأمة إلى أحكام الأصل، والخروج بها من أحكام الضرورة. والله أعلم.

        وهذا الذي انتهينا إليه بشأن الاقتراض من أجل السكن، وجدنا أستاذنا يوسف القرضاوي – وهو حامل لواء فقه المقاصد والدعوة إلى التيسير ورفع الحرج عن الناس – قد رخص فيه لإخواننا المقيمين بالخارج، إسهاما منه في حل مشاكلهم ومشاكل أبنائهم هناك، بناء على جواز التعامل بالعقود الفاسدة في دار الكفر عند الأحناف، لكنه لم يبح للمسلمين المقيمين ببلادهم شيئا من ذلك، بدعوى أنهم ليسوا بدار حرب، وما عليهم إلا أن يضغطوا باستمرار إلى أن يقيموا المجتمع الإسلامي ويتمكنوا من ضمان حقهم في السكن.[36]

        ولنا أن نتساءل، ما العمل في انتظار أن يتحقق هذا الأمل العظيم ببلدان المسلمين ؟ خاصة وأن عقود القرض الجاري بها العمل اليوم بأغلب هذه البلدان فاسدة، وأوضاع أبنائها أسوأ حالا، ولا مجال للمقارنة بينها وبين أوضاع إخوانهم بالمهجر، سواء على مستوى المعيشة، أو على مستوى التسهيلات القانونـية في مجال السكن، فأجور المهاجرين ببلاد الغربة محترمة، وقدرتهم على الكراء ممكنة، وليسوا في حالة ضرورة أو حاجة ماسة تبيح لهم القرض الربوي من أجل السكن، اللهم إلا أن تكون ضرورة الترفه وحاجة التنعم على النمط الغربي، وقد علمنا أنه " من وجد كراء بثمن مناسب لدخله فليكتف به، كما يتعين الاكتفاء بمقدار الحاجة، ويحرم ما يتعلق بالترفه والتنعيم، وإذا تمكن الناس من تحصل ما يحل، فينبغي عليهم ترك الحرام، واحتمال الكل في كسب ما يحل " كما قال الإمام الجوينـي.

        وكل من الكراء المناسب للدخل والاكتفاء بقدر الحاجة، وتحصيل ما يحل، ممكن ومقدور لإخواننا بالخارج، بينما هو متعذر " ببلداننا الإسلامية "، حيث الأغلبية دون عتبة الفقر بالقياس إلى الدخل العام.!

        وإذا تقرر هذا؛ فما وجه المفارقة في الحكم بجواز القرض من أجل السكن ببلاد الغرب دون بلاد المسلمين، والعلة واحدة، إن لم نقل: إنها بدار الإسلام أظهر. أو أن الحكم لم يعد يدور مع علته وجودا وعدما ؟! وقياس الأولى لم يعد له من اعتبار في هذه المسألة ؟!

        وللقارئ حق المقارنة بين فتوى إمام الحرمين في القرن الخامس الهجري. وفتوى الدكتور القرضاوي في القرن الخامس عشر الهجري ليرى أيهما أكثر واقعية وأكثر انسجاما مع فقه المقاصد ومصالح الإنسان.[37] وأيهما أنفع للمضي في عملية استئناف مهمة الاستحلاف والتعمير الحضاري. وعلى كل ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.﴾ ( البقرة: 173 ). والله أعلم.

        "وعلى كل التقديرات؛ فلا بد للإنسان من مسكن يأوي إليه، فكان الإنعام بتحصيله عظيماً."[38] لدوام الاستخلاف والتعمير اللائق بنوع الإنسان وهو آمن في مسكنه غير أن هذا المقصد لا يكتمل إلا بما يجعله مستورا معافى في بدنه من حر الشمس وقر الخريف وبرد الشتاء وهو ما أنعم الله به عليه من ضرورة اللباس.  

 

         المطلب الخامس: حفظ النوع باللباس

        وكذلك، القول في الملابس فإنها من مستلزمات الحياة الإنسانـية؛ إذ " تكليف التعري عظيم الوقع، وهو أوقع في النفوس من ضرر الجوع والضعف، ووضوح هذا يغنـي عن الإطناب فيه."[39]  بمعنى أن كثيرا من الناس قد يصبرون على الجوع، ولا يرضون الظهور بمظهر لا يليق بإنسانـيتهم، ولذلك فمن محاسن الشريعة أنها جاءت داعية إلى منع التعري مع إمكان الستر بما يوافق قصد الشارع، ويحقق كرامة الإنسان. لأن اللباس دليل التحضر، وهو من آيات الله ونعمه التي امتن بها على بني آدم وميزهم بها عن الحيوان؛ كما في قوله: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ.﴾ ( الأعراف: 26 ) وهذا مما يفيد أن اللباس من أعظم ما خلق الله من المصالح البشرية، وهو نوعان:

        لباس ستر لما يجب ستره من الجسم، وذلك هو الحد الأدنى الذي لا ينبغي أن يبقى الإنسان بدونه، وهو ما عبر عنه الباري تعالى بقوله: ﴿ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ.﴾

        ولباس زينة يضفي على صاحبه ما يليق بهيئته من الجمال. وهو المشار إليه بقوله تعالى:        ﴿ وَرِيشًا.﴾ ولا شك أن ريش الطير من رموز الجمال والبهاء لمن تأمله.

        وكلاهما؛ الستر والجمال باب عظيم من أبواب التقوى. ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ.﴾ وكل هذا بخلاف التعري وكشف العورة؛ ففيه من المهانة والفضيحة ما لا يليق بكرامة الإنسان؛ كما قال الجويني:" العري شين، واللباس زين، وظهور السوءتين عار، وإن أتم اللباس ما ستر عامة البدن."[40]

        ولكل قوم أن يتخذوا لأنفسهم ما شاءوا من أنواع الألبسة، ويتفننوا في تصميمها بما يتناسب مع ثقافاتهم وأعرافهم؛ وأن يجددوا فيها بحسب الزمان والمكان وأحوال الطقس وما يقتضيه العمران البشري من تجديد وتطوير فيه.

وحاصل القول: إن توفير اللباس الكافي لوقاية الإنسان من حر الشمس وقر البرد وستر الجسد وتجميل الهيئة؛ من صميم ما دعا إليه الشارع الحكيم وأباح الاستمتاع به للناس باعتباره من أهم مظاهر الاستخلاف الموافق لمقاصد الشريعة من العمران البشري. وإذا سلم هذا؛ فلننظر فيما لا بد منه لتوفير ما سلف من وسائل حفظ النوع؛ وهو العمل.

         

        الفرع السادس: حفظ النوع بالعمل

        العمل هنا هو بمعنى الكسب المفضي لتحصيل الرزق، وبه تقوم حياة الإنسان في كليتها؛ وهو لفظ مطلق يشمل كل التصرفات النافعة، والأعمال الصالحة، والأشغال المنتجة التي تعود على صاحبها وعلى المجتمع البشري بالنفع العام في مختلف المجالات. والاستقراء يبين ذلك؛ فقد احتفت الشريعة احتفاء بالغا بالعمل الصالح- أيا كان نوعه - فأمرت به وقرنت ذكره بذكر الإيمان، وجعلته وجها من أوجه العبادة التي على أساسها يتفاضل الناس في الأجر والتواب، ومجدت بسببه العاملين من الرجال والنساء، ورتبت عليه سعادة الدنيا وحسن تواب الآخرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.﴾ ( التوبة:105 ). وقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.﴾          ( النحل:97 ) وقوله: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.﴾ ( النساء:124 ).

        وعليه؛ إذا وضحت حقيقة العمل في النظر الشرعي، وتبينت قيمته وأهميته في حياة الإنسان ومآله يوم القيامة؛ فإن الكسب أو الشغل - وهو وجه من أوجه العمل الصالح – فريضة من الفرائض الشرعية الواجبة على كل مسلم.[41] لأن تحصيل المال لا يتم إلا بالكسب، وتحصيل المال لضرورة البقاء واجب. وما يتوصل به إلى أداء الواجب يكون واجبا. والمعقول يشهد له؛ فإن في الكسب نظام العالم. والله تعالى حكم ببقاء العالم إلى حين فنائه، وجعل سبب البقاء والنظام كسب العباد، وفي تركه تخريب نظامه وذلك ممنوع منه.[42]

        وبناء على هذا التأصيل الشرعي العقلي للعمل النافع المثمر؛ وانطلاقا مما جاء في أبواب الإجارة والكسب عموما؛ يتبين أنه من الحاجات العامة المنزلة منزلة الضرورات التي لا تقل في أهميتها عن سابقاتها؛ بل لا يمكن لتلك أن توجد دونه أصلا.

        فالحصول على الزواج والتغذية وتوفير العلاج والسكن واللباس؛ كل ذلك لا يتم إلا بالاشتغال في مختلف مجالات العمل المباح؛ كالفلاحة أو التجارة أو الصناعة أو غيرها من الحرف والمهن الحرة والوظائف والخدمات العمومية على اختلاف أنواعها.

        وهذا شيء طبيعي؛ فـالعمل من القيم المتأصلة في النفس البشرية، والنوازع الفطرية التي لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها في كليته، ولذلك فهو من آكد لوازم الاستخلاف وضرورات التعمير على امتداد الوجود التاريخي للإنسان؛ بل لقد أصبحت قضية الشغل في عصرنا من أعوص المشكلات الاجتماعية؛ التي تتقاسم مسؤوليتها ثلاثة أطراف رئيسية وهي: الدولة وأرباب العمل والعمال. ولذلك لا يمكن التغاضي عن معالجتها بمختلف الوسائل العلمية العملية، وفي مقدمتها توزيع الخيرات بشكل عادل بين الناس، وتقسيم فرص الشغل دون تمييز بين أفواج المعطلين. وتأهيل القادرين على العمل وتكوينهم، ومساعدة ذوي الكفاءات منهم على إيجاد مشاريع عمل يكسبون بها قوت يومهم. وهذه مسؤولية جميع المعنيين بتدبير الشأن العام  بالدرجة الأولى كل حسب موقعه، وكل حسب مسئوليته وجهده. وذلك على أساس أن هذا هو سبيل القيام بمهمة الاستخلاف والتعمير بما يوافق قصد الشارع وينمي الحياة البشرية بكل ما يصلحها في الحال والمآل وإلا فلا.

        وخلاصة القول: لما كان " الوازع الطبيعي أقوى من الوازع الشرعي"[43] أعطيت له الأولوية، واكتفى الشارع بالاعتماد عليه في حفظ مقاصده من التشريع، وتنفيذ كل ما يتعلق باكتساب المصالح الضرورية، واجتناب ما يعود عليها بالفساد. وفي مقدمتها الكسب المباح أو قل: العمل الصالح المنتج وقد وضح. وبهذا نكون قد أجملنا ما تيسر بيانه من وسائل حفظ النوع بالطبع؛ لنسير منه إلى النظر في حفظه بالشرع. وهو المطلب الثاني.

 

        المطلب الثاني: حفظ النوع بالشرع

        إذا وضح المقصود بحفظ النوع بالطبع؛ فما المراد بحفظه بالشرع ؟

        المراد بهذا النمط من الحفاظ على النوع؛ ما كان باعث الإيمان الصادق بالله حاملا عليه أو زاجرا عنه؛ بحيث ترى صاحب هذا الاعتقاد يسارع في الخيرات ممتثلا مطالب الشريعة، محافظا عليها بكل تلقائية ونشاط، وليس له من محفز مرغب في فعلها، أو وازع مرهب عنها، إلا ما وقر في قلبه من إيمان؛ ابتغاء مرضاة الله وخشية عقابه.

        ولذلك؛ فإن معظم مقاصد الشارع ومصالح الناس منوطةَ التنفيذ بالوازع الإيمانـي الصحيح المفعم بالرجاء والخوف. وأكثر الأوامر والنواهي موكولة إلى إيمان المخاطبين بها أساسا بالاستقراء، كما في جميع النصوص الشرعية التي تستجيش عامل الإيمان وتربط كل الأعمال بندائه، سواء في الأمر أو النهي، وما يترتب عليهما من مصالح أو مفاسد في الدنـيا والآخرة، وهي نصوص كثيرة جدا؛ منها قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.﴾ ( الأنفال: 24 ). وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.﴾ ( النساء: 59 ). وقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.﴾ ( النحل:97 ). وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه."[44] وقوله: " مثل المؤمنـين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر  والحمى."[45] إلى غير ذلك من الأدلة الداعية إلى تحريك القلوب وإثارة النفوس بمختلف الحوافز الإيمانـية، قصد الاستجابة الطوعية لتنفيذ الأحكام الشرعية؛ لأن " طاعةَ الأمةِ الشريعةَ غرض عظيم، وإن أعظم باعث على احترام الشريعة ونفوذها أنها خطاب الله للأمة. فامتثال الأمة للشريعة أمر اعتقادي تنساق إليه نفوس المسلمين عن طواعية واختيار، لأنها ترضي بذلك ربها وتستجلب به رحمته إياها وفوزها في الدنـيا والآخرة."[46] وهو ما يقطع بارتكاز السلطة الإيمانـية على أدوات الحفظ التربوي التعليمي القائم على منطق الترغيب في فضل الله ورحمته ورضوانه، والترهيب من عذابه وغضبه وانتقامه بالدرجة الأولى. ومن استقرأ الكتاب العزيز وصحيح السنن تأكدت لديه هذه الحقيقة.

        وهذا المنطق من الأهمية بمكان في استصلاح أعمال الإنسان، وإرشاده إلى الطريق المنجي في الدنـيا والآخرة؛ بحيث يكون أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، ولو لم يراقبه أحد من الناس. وهو ما جعل مقصد التربية والتعليم أول مقاصد الشريعة المنزلة؛ كما هو معلوم من قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام.

        وعليه؛ فإن الحفظ الإيمانـي التربوي هو الأصل المعتمد، وعليه مدار الطلب في ترشيد الإنسان وتقويمه واستصلاحه بموازاة مع الحفظ الطبيعي الفطري، بحيث إذا تحققت مقاصد هذين النوعين من الحفظ؛ فلا داعي لغيرهما، أما إذا استعصى هذا السلوك البشري أو ذاك على منهج السداد الفطري، ولم تنفع في تقويمه تربية إيمانية، وبقي صاحبه متماديا في ارتكاب ما لا ينجبر من المخالفات إلا بإعمال السلطة الزجرية التنفيذية فلا بد -والحالة هذه- من إعمالها بكل حزم. وآخر الدواء الكي.

        وفيما يلي جملة بأهم ما تضمنته الشريعة من توجيهات إيمانية، وتعليمات تربوية ممزوجة بكل معاني التكريم والاستمتاع والإنعام الذي من الله به على النوع البشري في هذه الدار بإطلاق. وكل هذا بموازاة مع ما نصت عليه من أشكال الترهيب والوعيد الشديد لكل من سولت له نفسه أن يؤذي ذاته أو يعتدي على غيره بأي شكل من أشكال الاعتداء المادي والمعنوي. وهو ما نتبينه أكثر في الفقرات التالية:

        1 - الإشادة بقيمة الإنسان وكرامته في مجموعه وتثقيف المجتمع وتربيته عليها: كما في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.﴾ ( التين:4 ) وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.﴾            ( الإسراء:70  ) وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.﴾ ( الحجرات: 13 )

        2 - العناية الفائقة بفصل المقال في أحكام القتل بمختلف أنواعه نظرا لجسامته وخطورته على الاستقرار والأمن الاجتماعي العام. كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ﴾ ( البقرة: 178، 179 ) وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. ( النساء: 92، 93 )

        3- وقاية الحياة وحمايتها من كل ما من شأنه أن يعرضها للزوال بغير حق، كما في قوله تعالى: ﴿  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ﴾ ( البقرة: 179 ) ﴿ ولَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ. إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا.﴾

        4 - اعتبار قتل النفس الواحدة بمثابة قتل البشرية كلها وإحيائها كإحياء كل الناس. ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.﴾ ( المائدة: 32 )

        5 - الوعيد الشديد لمن قتل نفسه أو غيره ظلما وعدوانا كما في قوله سبحانه: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. ﴾ وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا.﴾ ( الفرقان: 68 ) وقوله: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.﴾ ( النساء: 93 )

        وفي الحديث الصحيح:" من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا."[47]و"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا مَن مات مشركاً، أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً."[48]

        6 - تحريم الهجوم على حرمات الغير وتجريم الاعتداء عليها قتلا ونهبا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ( المائدة:33 )

        7 - التصريح الشديد بإدانة قتل الأولاد عموما والإناث منهم خصوصا وتحريم إجهاض الأجنة البريئة بذريعة خشية الفقر ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.﴾          ( الأنعام:151) ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا.﴾ ( الإسراء:31 ) ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.﴾ ( الأنعام: 140)    ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.﴾ ( التكوير: 8، 9 ) ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ.﴾ ( النحل: 58، 59 ) وفي هذا المعنى تدخل جريمة الإجهاض لغير ضرورة معتبرة أيضا، وهي أبشع أنواع القتل التي لا مثيل لها في حق من لا ذنب لهم من الأجنة، وليس بإمكانهم الدفاع عن حقهم في الحياة.

        8 - التحذير الشديد من كل ما يمت إلى تهديد النوع البشري بأي شكل من الأشكال؛ كإشارة هذا أو ذاك بالسلاح وإشهاره في وجه أخيه، سواء كان جادا أو مازحا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار."[49] وقوله:" من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، ( يرمي ) وإن كان أخوه لأبيه وأمه."[50] بما في ذلك حتى السبّ والشتم المفضي للعداوة والتقاتل وإزهاق الأرواح. لأن "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه."[51] ولقول رسول الله عليه الصلاة والسلام:" إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا."[52] إلى غير ذلك من التوجيهات الشرعية التي ما فتئت تحمل الإنسان المسؤولية الكاملة عن كل جريمة قتل وقعت أو تقع في هذا العالم منذ جريمة القتل الأولى التي ارتكبها ابن آدم في حق أخيه وقد أمر الله تعالى بتلاوتها على البشرية للاعتبار فقال: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.﴾ ( المائدة: 27 - 30 ) فكان عليه وزرها ووزر من اقترفها بعده إلى يوم القيامة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تُقْتَلُ نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل." [53]

        ولهذا؛ ليس من الشرع ولا من العقل أن يُقدم المسلم على قتل أخيه عمدا عدوانا وعن سبق إصرار وترصد؛ لكن قد يقع ذلك منه خطأ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً.﴾ ( النساء: 92 )

        ولمزيد من العناية بحفظ النوع البشري " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتَعَاطَى السيف مسلولا."[54] وما السيف إلا مثال يمكن أن نقيس عليه ما يفعله بعض من لا يقدر عواقب الأمور؛ فتراه يندفع بسيارته نحو أخيه أو صديقه كأنه يريد دهسه، أو يكون في رفقة  كلب له فيطلقه على غيره يغريه به. وهذه كلها أفعال تنافي قصد الشارع في حفظ النوع، ولا تنسجم مع مهمة الاستخلاف والتعمير المنوط به. ويخشى على من تلبس بشيء من ذلك أن يلقى في النار وهو يحسب أنه يحسن صنعا دون أن يلقي لذلك بالا.

        وهذا القدر كاف في بيان أهم ما تضمنته الشريعة من عناية فائقة بـ"مقصد حفظ النوع " طبعا وشرعا، ومنه نسير إلى بيان ما وضعه الشارع الحكيم لحفظه بالردع. فما المراد بهذا الحفظ ؟

 

        المطلب الثالث: حفظ النوع بالردع

        المقصود بهذا النوع من الحفظ؛ ما يعود إلى إعمال " السلطة التنفيذية الزجرية " التي تنتظم تحت مسمى "المقاصد الكفائية" ممثلة في مختلف وظائف الدولة ومؤسساتها الحكومية والقضائية والأمنـية والعسكرية وغيرها من التراتيب الإدارية. وذلك بحكم أن هذه الولايات ما شرعت إلا لخدمة المصالح العامة؛ كما قال الشاطبي: "الولايات العامة والمناصب العامة للمصالح العامة."[55] وفي مقدمة هذه المصالح؛ رعاية مقصد حفظ النوع بردع كل من جنى عليه في خاصة أفراده أو عامة مجتمعه.

        وبعبارة أخرى؛ إذا عجزت كل من السلطة الطبيعية الفطرية، والسلطة الإيمانـية التربوية عن ترشيد السلوك البشري وتقويمه واستصلاحه بما يوافق قصد الشارع؛ فلا بد -والحالة هذه- من إعمال السلطة الزجرية التنفيذية لوقاية النوع وحمايته مما يخل به في الحال أو المآل؛ وإلا شاعت الفوضى وعمت البلوى بما لا ينحصر من الفساد. وفي ذلك من الظلم المخل بمهمة الاستخلاف وتهديد العمران بالخراب ما لا يخفى؛ كما قال ابن خلدون:" الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع، وغير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الأحكام، فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران." [56] وهذا ما أكده في سياق آخر بما هو أوضح فيما نصه: "العدل أساس عمارة الأرض، والظلم مؤذن بخراب العمران ... وهذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم. وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه. وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري. وهي الحكمة العامة المرعية للشارع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال..."[57] وهو ما يقطع بأهمية الوازع السلطاني في حفظ النوع الإنساني ما دامت طبيعة اجتماع النوع فيها من إلى التنازع في المصالح والتدافع في تحصيلها ما يقتضي وجود حاكم يفصل بقوة العدالة في منازعات المتخاصمين بشأنها. وبتعبير ابن خلدون:" إن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضرورياتهم، وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة، واقتضاء الحاجات، ومد كل واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه؛ لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض، ويمانعه الآخر عنها بمقتضى الغضب والأنفة، ومقتضى القوة البشرية في ذلك؛ فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة؛ وهي تؤدي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس؛ المفضي ذلك إلى انقطاع النوع؛ وهو مما خصه الباري سبحانه بالمحافظة؛ فاستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم ... فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية."[58]

        وهو ما يقطع بضرورة العناية بتوفير الأمن العام من الاعتداء على النفس البشرية بغير حق، سواء بالقتل أو القطع أو الضرب أو السجن أو التجويع أو الانتحار أو أي شكل من أشكال التعذيب المادي أو المعنوي، ولو صدر ذلك من الإنسان على نفسه؛ إذ " إذ ليس لأحد أن يقتل نفسه، ولا أن يفوت عضوا من أعضائه."[59] لقوله تعالى:﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا.﴾ ( النساء:29 ) اللهم إلا لضرورة قصوى؛ كمن يضطر لذلك في حال إصابته بقصور كلوي أو غيره؛ ففي هذه الحالة يصبح البتر من وسائل حفظ النوع. وهو ما تكفلت الشريعة بضمانه على أتم الوجوه في أبواب الجنايات وعقوبات القصاص والحدود والديات والكفارات والتعازير. وما إلى ذلك مما هو معلوم في فقه القضاء والسياسة الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصفة عامة.[60] ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.﴾ ( البقرة:179 ) إذ لا حياة بدون أمن على الحياة.

        نعم؛ بهذه التدابير الزجرية العملية ترشد الحياة الإنسانـية ويستقيم الناس على شرع الله، ويعبدوه في طمأنـينة وخشوع، وقد طَعِموا من جوع وأَمِنوا على أنفسهم من خوف؛ كما قال سبحانه:        ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.﴾ ( قريش: 3 .4 ).

        وتلك هي الغاية القصوى من الاستخلاف والتعمير الحضاري المراد لله تعالى من مقصد حفظ النوع الذي هو عمدة الأركان الخمسة التي تقوم عليها مصالح الدين والدنيا؛كما قال الشاطبي:       " إن مصالح الدين والدنـيا مبنـية على المحافظة على الأمور الخمسة (...) فإذا اعتبر قيام هذا الوجود الدنـيوي مبنـيا عليها؛ حتى إذا انخرمت لم يبق للدنـيا وجود - أعنـي ما هو خاص بالمكلفين والتكليف - وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك.

        فـلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى. ولو عدم المكلف لعدم من يتدين. ولو عدم العقل لارتفع التدين. ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء. ولو عدم المال لم يبق عيش ( ... ) وهذا كله معلوم لا يرتاب فيه من عرف ترتب أحوال الدنـيا وأنها زاد الآخرة."[61]

        وبالجملة؛ متى تحقق مقصد حفظ النوع البشري بوسائله الثلاث تحقق الاستخلاف المنشود وحصل التعمير المأمول، وإلا فلا استخلاف ولا تعمير بمعناه الحقيقي.

 

        ضميمة ما قبل الختم

        وقبل الختم لا بد من ضميمة نجدد النظر من خلالها في ثلاث قضايا هامة، كثيرا ما تثار في سياق الكلام عن مقصد حفظ النوع؛ وهي: قضية انتشار الإسلام بالقوة. وقضية قتل المرتد. وقضية مناهضة عقوبة الإعدام.

        1 - قضية انتشار الإسلام بالقوة.

        فأما القضية الأولى؛ فحاصلها؛ إذا كان مقصد حفظ النوع -طبعا وشرعا وردعا- من آكد مقاصد الشارع الحكيم؛ فلماذا دعا إلى الجهاد المسلح وهو يعلم ما فيه من إهدار كبير لهذا المقصد ؟

        لم يأذن الشارع الحكيم بالجهاد لإهدار الأرواح البريئة فرضا منه للإسلام على الناس بقوة السيف؛ بل أذن فيه لحماية النوع البشري من ظلم الظالمين بكسر شوكتهم وتحطيم قوتهم العسكرية التي تحول بين الناس أن يسمعوا دعوة الإسلام بما هو تحرر من العبودية لغير الله بتوحيده. وإقامة للعدل بين الناس بشرعه؛ فيقبلوه أو يرفضوه عن طواعية واختيار تام.

        وهذا ما حصل بالفعل؛ فبمجرد أن سقطت أنظمة الجور ترك الناس وشأنهم، فمنهم من أسلم بمحض إرادته، ومنهم من بقي على دينه دون أن يكرهه أحد على تركه أو يجبره على الدخول في الإسلام بالقوة. وهذا ما دل عليه واقع التعايش بين المسلمين وغيرهم منذ العهد النبوي إلى يومنا هذا. و لا ينكره إلا جاهل بتاريخ أمتنا.

        فهذا هو القصد مجملا من شرعية الجهاد وتلك حيثياته، وما سوى ذلك مما نسمعه أو نشاهده هنا أو هناك من مظاهر القتل الفردي أو الجماعي لهذا البريء أو ذاك من هذه الجهة أو تلك؛ فليس من مقاصد الجهاد في سبيل الله بالمرة ولا يمت إليه بصلة ولو أضيف إليه بالتأويل.

 

        2 - قضية قتل المرتد

        وأما قضية قتل المرتد؛ فمجمل القول فيها: لا قتل لمرتد لا يشكل خطرا على الأمن العام، ولم يتورط في دم حرام، عملا بمبدأ حرية الاعتقاد. وهو مبدأ كلي ثابت بالاستقراء كما في قوله تعالى:   ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.﴾ ( البقرة: 256 ) ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.﴾ ( الكهف: 29 ). ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ.﴾  ( الغاشية: 22 )

         وهذا بخلاف من ارتد وأصبح متلبسا بجريمة صيال أو حرابة أو بغي أو قتل بريء، فجزاؤه مثلا بمثل؛ عملا بقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.﴾ ( البقرة: 194 ). و " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنـي رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانـي، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة."[62]

والتارك لدينه المفارقة للجماعة؛ أشبه ما يكون بعضو في حركة انفصالية تهدد وحدة الأمة، ومعلوم أن من ارتد ليصبح داعية إلى التمرد على معتقدات الأمة، وتبديل قيم المجتمع، وزعزعة الاستقرار، وتغيير نظام الحكم الإسلامي؛ فليس من العدل ولا من العقل تركه يعيث في الأرض الفساد؛ فهو أخطر ممن يقع في خيانة الوطن ويتورط في المس بسلامة أمن الدولة، وتسريب أسرارها والتآمر عليها مع أعدائها لضرب مصالحها وزعزعة استقرارها والإطاحة بها. ومثل هذا لا تسامح معه. وليس في العالم دولة تسمح بالنـيل من ثوابتها، وتبيح الاعتداء على مقدساتها، وترخص للعمل على تخريبها وتبديل مرجعيتها وقوانـينها وأنظمتها بدعوى الحق في تغيير الانتماء ؟[63]

        و إلا فلماذا تنص كل دساتير الدنـيا ومواثيق جميع الهيآت والمنظمات والأحزاب على ما تراه من الثوابت، وتحيطها بما يجعلها من " المقدسات "، وترتب على الإخلال بها أشد العقوبات، بحيث لا يجرؤ أحد على أن يضعها محل نقد أو مساءلة، فضلا عن أن يعيبها ويقدح فيها ويقدم على تبديلها بغيرها ؟!

        أليس كل من يتجرأ عليها بسوء يعاقب عقابا شديدا طبقا للقوانـين والقرارات الجاري بها العمل في هذه الدولة أو تلك، وحسب نوع الإساءة المقترفة في حق هذه " المعبودات " أو تلك    "المحرمات " الحزبية أو الوطنـية أو الدولية ؟!

        ولماذا يُشَنعُ - والحالة هذه- على الإسلام وحده متى جرم الردة وتابع المرتدين، وحاكم المتمردين عليه بدون عذر، ولا يشنع على غيره من القوانـين والأنظمة الوضعية؛ وهي تجرم  المساس بحرمتها، وتتابع المخالفين لقوانـينها وقراراتها، وتعاقب المخلين بهيبتها والثائرين عليها أشد العقاب ؟

   أليس من حق الإسلام أن يحافظ على كيانه العام عقيدة وشريعة ونظام حياة ودولة أمة، كما تحافظ سائر القوانـين والأنظمة و" الدول الدهرية " على كيانها بقوة الجيش والمخابرات والمساطر الجنائية وقوانـين الإرهاب والعقوبات الصارمة التي لا تقبل الاستئناف ولا تخضع للنقض ؟!

        وبالجملة؛ إن من ارتد ولم يعلن عن ردته ولم يجعل من نفسه داعية إليها، يعامل بحسب ما ظهر من سلوكه، وأمره إلى الله، شأنه شأن المنافق، الذي يظهر الإسلام و يخفي الكفر. فليس لأحد حق تفتيش القلوب ومعرفة ما انطوت عليه من مقاصد. لأن أحكام الدنـيا تجري على الظاهر، والله يتولى السرائر، وأن لا مؤاخذة إلا بعمل بين، ولا حكم إلا بجريمة ثابتة بيقين، كما هو مقرر بالكتاب والسنة والإجماع.

        وكل من اتخذ قراره بدخول الإسلام عن علم وحرية وإرادة، وجب عليه الانقياد له اختيارا أو إلزاما. لأن من التزم بشيء لزمه، ومن تراجع عما التزم به دون عذر من جهل أو عجز أو شبهة أو إكراه؛ فللقضاء الشرعي متابعته بما يراه مناسبا لردته من تذكير إيمانـي، أو توجيه علمي، أو تأديب تربوي، أو عقوبة زجرية. وهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء.

        3 - قضية مناهضة عقوبة الإعدام

        وأما قضية مناهضة عقوبة الإعدام؛ فحاصل القول فيها؛ لا إعدام إلا لمتورط في جريمة القتل العمد العدوان، عملا بقاعدة: من قتل عمدا يقتل. ومن عفي عنه بغير حق في هذه الحالة؛ فذلك ظلم لا يقره شرع ولا عقل. ومن ثم فلا معنى لمناهضة عقوبة الإعدام بإطلاق ما دام تنفيذها لا يتعدى المجرمين في حق الحياة.

        وعليه؛ فليس لأي كان الحق في إلغاء تلك العقوبة بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان، وهي كلمة حق يراد بها باطل. فالدفاع عن حقوق الإنسان حق لا مرية فيه. لكن عن أي إنسان ندافع ؟

        فإذا كان هذا الإنسان أو ذاك مظلوما وحكم عليه بالإعدام كما يقع في حق المخالفين في الرأي أو في حق المعارضين لهذا الطاغية أو ذاك؛ أو كان من الذين يتعرضون للإبادة الجماعية بمختلف وسائل الدمار الشامل؛ فهؤلاء لا خلاف في وجوب مناصرتهم بجميع الوسائل المشروعة، والاستماتة في المطالبة بإلغاء حكم الإعدام في حقهم وإيقاف ما يصب فوق رؤوسهم من نيران لا تبقي ولا تدر.

        أما إذا كان القتلة ممن يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء بغير حساب؛ فليس لهم إلا القصاص حماية للأمن العام. عملا بقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.﴾ البقرة: 179 ) وهذا ما جرى به العمل من زمان عملا بقاعدة: القتل أنفى للقتل.

        والغريب في الأمر أن المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام هم أنفسهم الذين يمارسون عملية الإعدام بأشكال غاية في الوحشية وبوسائل جهنمية متعددة. وإلا فكيف نفسر ما تقوده دول الاستكبار العالمي وأنظمة الاستبداد الداخلي من عمليات عسكرية يذهب ضحيتها الملايين بما يلقى على رؤوسهم من قنابيل وبراميل متفجرة بأطنان من البارود والغازات المبيدة للحياة ؟

وكيف نفسر عمليات القتل الجماعي تحت التعذيب في مخافر الشرطة وعيابات السجون ؟ وماذا نقول عن إعدام الأجنة وما يتعرضون له من قتل بشع وهم في بطون أمهاتهم أثناء عمليات الإجهاض، وبحكم القانون كما يزعمون، دون شفقة ولا رحمة !!؟  

        ولهذا ليس هناك أفضع في الإجرام من دعوى الدفاع عن حق الإنسان في الحياة هنا، وسلبها منه بأبشع الطرق هناك. وكل هذا مناقض لقصد الشارع في حفظ النوع ومخل غاية الإخلال بمهمة الاستخلاف والتعمير.

 

         خـــــــاتــمـــــــة:

        وختاما؛ هذا محصل ما حضر من النظر في مقصد حفظ النوع الإنساني في علاقته بالاستخلاف والتعمير، وقد تبين مما ذكر مدى حرص الشارع الحكيم على حماية الإنسان ورعاية مصالحه بمختلف الوسائل الفطرية الطبيعية، والقانونية الشرعية، والزجرية التنفيذية؛ لا بمجرد الكلام الذي لا ينفع؛ كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه في رسالته في القضاء لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له."[64] وهذا هو واقع الحال؛ فلا قيمة لتوجيه تربوي ولا لقرار سياسي ولا لحكم قضائي أيا كان مصدره إذا بقي حبرا على ورق ولم ينفذ عمليا. وصدق من قال:" فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن."[65]

        وبهذا نكون قد انتهينا من مقاربة ما يقيم أركان مقصد حفظ النوع ويثبت قواعده من جانب الوجود. وما يدرأ عنه الاختلال الواقع أو المتوقع فيه من جانب العدم.[66] وإنما الأعمال بالمقاصد، والحمد لله رب العالمين.

 

 

         لائحة المصادر والمراجع

الكتب

القرآن الكريم. الله جل جلاله.

أعلام الموقعين. ابن القيم. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر. ط2. 1397هـ/1977م.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد ابن رشد، ( الحفيد ). بيروت. دار الفكر. د. ط. و ت.

بدائع الصنائع. الكاسانـي، علاء الدين أبو بكر بن مسعود. بيروت. دار الكتاب العربي. ط2. 1982م.

تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2، 1420هـ / 1999م.

حجة الله البالغة. ولي الله. الدهلوي بيروت. دار إحياء العلوم. لبنان. ط1. 1410هـ/ 1990م.

روح المعانـي. لشهاب الدين الألوسي، بيروت. دار إحياء التراث العربي. د. ط. و ت.

سنن أبي داود. أبو داود، سليمان بن الأشعث. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر. د. ط. و ت.

سنن البيهقي الكبرى. البيهقي، أحمد بن الحسين. تحقيق محمد عبد القادر عطا. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة. د. ط.، 1414هـ/1994م.

سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق، أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د ط ولا ت.

صحيح ابن حبان. ابن حبان، محمد. تحقيق. شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. ط2. 1414هـ/1993م.

صحيح ابن حبان، ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414/1993م.

صحيح البخاري، البخاري، تحقيق مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ط3، 1407ه/1987م.

صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت. دار إحياء التراث العربي. د. ط. و ت.

صحيح مسلم، مسلم، دار الجيل، بيروت، د ط، ولا ت،.

الطب النبوي. ابن القيم. تحقيق عبد الغنـي عبد الخالق. بيروت. دار الفكر. د. ط.  ت.

العدالة الاجتماعية. سيد قطب، دار الشروق. د. ط. 1394هـ/1974م.

 غياث الأمم. للجوينـي. تحقيق مصطفى حلمي وفؤاد عبد المنعم أحمد. دار الدعوة. د ط. 1979م.

الفوائد في اختصار المقاصد. للعز بن عبد السلام. تحقيق. إياد خالد الطباع. دمشق. دار الفكر. ط1. 1416هـ/1996م.

قواعد الأحكام. للعز بن عبد السلام، بيروت: دار المعرفة. د، ط. و ت.

كتاب الكسب. محمد بن الحسن الشيباني، تحقيق د. سهيل زكار، دمشق، د ط، 1400ه.

المبسوط. السرخسي، دراسة وتحقيق خليل محي الدين الميس، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1421هـ/ 2000م.

مجموع الفتاوى، ابن تيمية تحقيق، أنور الباز و عامر الجزار، دار الوفاء، ط3 ، 1426هـ/ 2005م.

 المحلى، ابن حزم، د ط ولا ت.

مفاتيح الغيب. فخر الدين الرازي دار الكتب العلمية، بيروت. ط1. 1421هـ/ 2000م.

مقاصد الشريعة الإسلامية. ابن عاشور. تحقيق ودراسة. محمد الطاهر الميساوي. دار الفجر. ط1. 1420هـ/1999م.

المقدمة. ابن خلدون. تحقيق عبد السلام الشدادي، دار تبقال للنشر، الدار البيضاء. د ط. 2000م.

المقدمة. ابن خلدون. تحقيق علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، 2004م.

من الفكر الإسلامي في تونس. راشد الغنوشي،. دار القلم. ط2. 1412هـ/1992م

الموافقات. للشاطبي. تحقيق عبد الله دراز. بيروت. دار الكتب العلمية. ط1. 1411هـ/1991م.

الموطأ. مالك ابن أنس. تحقيق. محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي. د، ط. و ت.  

 

المجلات.

الردة. يوسف القرضاوي، مجلة منبر الشرق. عدد 10 ( 1414هـ/ 1993م ) ص 8.

استخدام الجيلاتين الخنزيري في الغذاء والدواء، محمود إدريس، عبد الفتاح. مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. عدد 31، 1417هـ/1996م .

استخدام الكحول في الغذاء والدواء والتعقيم، محمود إدريس، عبد الفتاح، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. عدد 35. 1418هـ/1997م.      

الندوات.

 ندوة الزكاة. يوسف القرضاوي سلسلة الحوار. منشورات الفرقان. عدد 32

 

 

[1]- النوع كلمة قديمة التداول في لسان العرب؛ وهي بمعنى " كل ضرب من الشيء وكل صنف من كل شيء، وهو أخص من الجنس." القاموس المحيط، الفيروزآبادي، 1 / 993.

وفي اصطلاح المناطقة: قال ابن حزم:" نقصد بالنوع إلى أن نسمي كل جماعة متفقة في حدها أو رسمها مختلفة بأشخاصها فقط، كقولك: الملائكة والناس والجن والنجوم والنخل والتفاح والخيل والجراد والسواد والبياض والقيام والقعود وما أشبه ذلك كله.

والنوع واقع تحت الجنس لأنه بعضه. وقد يجمع الجنس أنواعاً كثيرة يقع اسمه نعني اسم الجنس على كل نوع منها، ويوجد حده في جميعها وتتباين هي تحته بصفات يختص بها كل نوع منها دون الآخر..." التقريب لحد المنطق. تحقيق عبد الحق التركماني. دراسة وتقديم أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري. بيروت. دار ابن حزم. و مركز البحوث الإسلامية بالسويد. ط1. 2007م. ص340

وقال الأنصاري:" النوع: كُلِّيٌّ مقولٌ على واحدٍ أَو على كثيرين متَّفقين في الحقائق في جواب ما هو ؟ " الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة. زكريا الأنصاري. تحقيق. مازن المبارك. دار الفكر المعاصر. بيروت. ط1، 1411ه. 1 / 73.

والنوع بهذه المعاني لا علاقة له بفلسفة (النوع الاجتماعي) أو ما يسمى بـ" الجندر " التي تعتمد على القول بأن المجتمع وثقافته هو الذي يصنع الفروق بين الرجل والمرأة، وأنه هو الذي قسم الأدوار بينهما، فأصبحت الأنثى تنظر لنفسها أنها أنثى والذكر أنه ذكر؛ بل تقول: إن الذكورة والأنوثة هي ما يشعر به الذكر والأنثى، وما يريده كل منهما لنفسه؛ ولو كان ذلك مخالفاً للواقع البيولوجي، أي أن هذه الفلسفة تسعى في جميع أفكارها إلى التماثل الكامل بين الذكر والأنثى الذي يعني إلغاء الفوارق بين الجنسين بإطلاق بدعوى أن ذلك ليس شيئا فطريا متأصلا في الطبيعة البشرية ولكنه وليد الثقافة والأعراف والقيم السائدة في كل مجتمع ولذلك فكل ما يسمى فوارق يمكن تغييره واعتبار كل من الجنسين نوعا واحدا في كل شيء، وله أدوار متماثلة بحيث يمكن لكل منهما أن يقوم مقام الآخر في مختلف المجالات الخاصة والعامة. وبهذا ينتهي التمييز والظلم الذي طالما تعرضت له النساء بالخصوص وعانين منه طويلا في غياب ثقافة النوع الاجتماعي التي نادت بها الحركة النسوانية في الغرب أول مرة كما هو معلوم.

[2]- من الآيات الدالة على أن الله تعالى قد سخر الكون كله بما فيه من مصالح لفائدة الإنسان ووضعه رهن إشارته؛ قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً.﴾  ( لقمان: 20 ) وقوله:      ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.﴾ النحل: 5- 18 ) ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.﴾ ( النحل:53 )

 [3]- الموافقات. للشاطبي. تحقيق عبد الله دراز. بيروت. دار الكتب العلمية. ط1. 1411هـ/1991م. 3 / 99 .

[5] - الموافقات. 3 / 100. بتصرف

[6] - الموافقات. 3 / 102.

[7] - الموافقات.  4 / 20.

[8]-  الموافقات. 2 / 127.

[9]- الفوائد في اختصار المقاصد. لعز الدين بن عبد السلام. تحقيق. إياد خالد الطباع. دمشق. دار الفكر. ط1. 1416هـ/1996م. 1 / 81.

[10] - روح المعانـي. لشهاب الدين الألوسي. بيروت. دار إحياء التراث العربي. د. ط. و ت. 15/ 150.

[11] - الموافقات. 1 / 90. 91.

[12] - مقاصد الشريعة الإسلامية. لابن عاشور. تحقيق ودراسة. محمد الطاهر الميساوي. دار الفجر. ط1. 1420هـ/1999م. ص 317.

[13]  - الموافقات. 2 / 300. 301.

      قواعد الأحكام. 2 / 61.

 [14] قوم الفاء: هكذا جاء في لفظ الحديث. ومعناه: قوم لوط.

[15]  الترمذي. سنن الترمذي. كتاب: الحدود. باب: ما جاء في حد اللوطي. 4 / 57.

[16]- الموافقات. 2 / 14.

[17]  - الموافقات. 2 / 118. 

[18]  - الموافقات. 2 / 170.

[19] - الموافقات. 2 / 241.

[20] - الموافقات. 4 / 20.

 [21]- غياث الأمم. للجوينـي. تحقيق مصطفى حلمي وفؤاد عبد المنعم أحمد. دار الدعوة. د ط. 1979م. ص 294 إلى 297

 [22] - المحلى. ابن حزم. د ط ولا ت. 6 / 156.

[23]- من الآيات الدالة على هذا المعنى؛ قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ.﴾    ( الملك: 15 ). و﴿ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ.﴾ ( الجاثية:12. 13 ) و﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا (...)وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.﴾ ( النحل: 18. 52 ). و﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ.﴾ ( الحديد:7 ) و﴿ وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ.﴾ ( النور: 33 ). و﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا.﴾ ( النساء:5 ). و﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ.﴾ ( يونس: 59 ). و﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ.﴾     ( النساء: 29 ).

[24] - لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحيا أرضا ميتة فهي له. وليس لعرق السهو حق. قال مالك: والعرق: الظالم؛ كل ما احتفر أو أخذ أو غرس بغير حق ". الموطأ. لمالك. تحقيق. محمد فؤاد عبد الباقي. كتاب الأقضية: باب: القضاء في عمارة الموات. دار إحياء التراث العربي. د، ط. و ت. 2 / 743.

وقوله:" عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعد؛ فمن أحيا شيئا من موتان الأرض فله رقبتها.". سنن البيهقي. البيهقي. الكبرى. تحقيق محمد عبد القادر عطا. كتاب: الإقرار. باب: من أحيا أرضا ميتة فهي له مكتبة دار الباز. مكة المكرمة. د. ط. 1414هـ/1994م. 6 / 143

أي فله أن ينتفع بها ما دام قائما بإحيائها بالعمل والاستثمار. ومتى تركها ولم يستثمرها مدة ثلاث سنوات. دل على أنه يريد تعطيلها عن الإنتاج. ولذلك يسقط حقه فيها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" ليس لمحتجر بعد ثلاث سنـين حق." الكاسانـي. بدائع الصنائع. علاء الدين أبو بكر بن مسعود. بيروت. دار الكتاب العربي. ط2. 1982م. 6 / 194

 [25]- من الفكر الإسلامي في تونس. راشد الغنوشي.. دار القلم. ط2. 1412هـ/1992م. 2 / 133 إلى 135 بتصرف.

    لقد ذهب عدد كبير من أهل العلم في هذا العصر إلى اعتبار الملكية وظيفة اجتماعية منهم: مصطفى السباعي ومحمد الغزالي والبهي الخولي وعبد القادر عودة وفتحي عثمان وعلال الفاسي وأبو زهرة وراشد الغنوشي ومحمد باقر الصدر وعبد المنعم الجمال وعلال الهاشمي الخياري وسيد قطب الذي حدد معنى " الملكية وظيفة اجتماعية " إذ قال: " وأول مبدأ يقرره الإسلام - بجوار حق الملكية الفردية - أن الفرد أشبه بالوكيل في هذا المال عن الجماعة. وأن حيازته له إنما هي وظيفة أكثر منها امتلاكا. وأن المال في عمومه إنما هو أصلا حق الجماعة. والجماعة مستخلفة فيه عن الله ".  العدالة الاجتماعية. سيد قطب. دار الشروق. د. ط. 1394هـ/1974م. ص 114.

[26]غياث الأمم.  ص 297

[27]سنن أبي داود. أبو داود. مرجع سابق. كتاب: الطب. باب: في الأدوية المكروهة. 4 / 7.

[28]صحيح ابن حبان. ابن حبان. محمد. تحقيق. شعيب الأرنؤوط. كتاب الطب: باب: الطب. مؤسسة الرسالة. ط2. 1414هـ/1993م.  13 / 427.

[29]- قواعد الأحكام. للعز بن عبد السلام. بيروت. دار المعرفة. د. ط. و ت. 1 / 81.

" استخدام الجيلاتين الخنزيري في الغذاء والدواء ". محمود إدريس. عبد الفتاح. مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. عدد 31     ( 1417هـ/1996م ) ص 6 إلى 38.

  " استخدام الكحول في الغذاء والدواء والتعقيم ". مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. عدد 35 ( 1418هـ/1997م )      ص 105 إلى 170

[30]  بداية المجتهد ونهاية المقتصد ابن رشد. ( الحفيد ). بيروت. دار الفكر. د. ط. و ت. 2 / 176. 313.

 * أخيته: أصوله.

 [31] - الطب النبوي. ابن القيم. تحقيق عبد الغنـي عبد الخالق. بيروت. دار الفكر. د. ط.  ت.. 1 / 111. 114.

[32]قواعد الأحكام. 2 / 60.

[33]الموافقات. 1 / 107.

[34]تفسير القرآن العظيم. ابن كثير. تحقيق سامي بن محمد سلامة. دار طيبة للنشر والتوزيع. ط2. 1420هـ / 1999م. 4/ 591.

[35]  قال إمام الحرمين: " فأما المساكن. فإنـي أرى مسكن الرجل. من أظهر ما تمس إليه حاجته. والكَن ( المسكن ) الذي يؤويه وعائلته وذريته لا غناء له عنه. وهذا الفصل مفروض فيه إذا عم التحريم. ولم يجد أهل الأصقاع والبقاع متحولا عن ديارهم إلى مواضع مباحة. ولم يستمكنوا من إحياء موات وإنشاء مساكن سوى ما هم ساكنوها ( ... )

  فمن وجد مسكنا بأجرة نزرة فليكتف بذلك. فإن المجتنب عند عموم التحريم ملابسة المحرمات. وهذا المعنى يطرد في البقاع المستأجرة وغيرها. فإذا تقرر التحاق المساكن بالحاجات. وبطل النظر إلى المملوك والمستأجر لعموم التحريم. فلا طريق إلا ما قدمناه. ثم يتعين الاكتفاء بمقدار الحاجة. ويحرم ما يتعلق بالترف والتنعيم..

وجميع ما ذكرناه. إذا عمت المحرمات وانحسمت الطرق إلى الحلال. فأما إذا تمكن الناس من تحصل ما يحل. فينبغي عليهم ترك الحرام. واحتمال الكل في كسب ما يحل. وهذا فيه إذا كان ما يتمكنون منه معينا كافيا داريا للضروريات. سادا للحاجة. فأما إذا كان لا يسد الحاجة العامة ولكنه يأخذ مأخذا. ويسد مسدا فيجب الاعتناء بتحصيله. ثم بقية الحاجة يتدارك بما لا يحل على التفصيل المقدم.

فإن قيل: ما ذكرتموه فيه إذا طبقت المحرمات طبق الأرض. واستوعب الحرام الأنام. فما القول فيه إذا اختص ذلك بناحية من النواحي ؟ قلنا: إن تمكن أهلها من الانتقال إلى مواضع يقتدرون فيها على تحصيل الحلال تعين ذلك. وإذ تعذر ذلك عليهم. وهم جم غفير وعدد كثير. ولو اقتصروا على سد الرمق. وانتظروا انقضاء أوقات الضرورات لانقطعوا عن مكاسبهم. فالقول فيهم كالقول في الناس كافة. فليأخذوا أقدار حاجتهم كما فصلناه.

فهذا نهاية المطلب في دراية هذه القاعدة العظيمة. فإن قيل أطلقتم تصوير عموم التحريم. فأبينوا ما أبهمتموه. وأوضحوا ما أجملتموه. قلنا: إذا استولى الظلمة وتهجم على أموال الناس الغاشمون. ومدوا أيديهم اعتداء على أملاكهم. ثم فرقوها في الخلق وبثوها. وفسدت مع ذلك البياعات وحادت عن سنن الشرع المعاملات وتعدى ذلك إلى بذور الأقوات. وتمادى على ذلك الأوقات. وامتدت الفترات. ولا خفاء بتصوير ما نحاوله. ثم إذا ظهر ما ذكرناه ترتبت عليه الشبهات فإذا جاز أخذ الكفاية من المحرمات. لم يخف جوازه في مظان الشبهات…وهذا حكم الجواز. ولا يخفى مأخذ الورع على من ينتحيه." غياث الأمم.      ص 299. 300

[36]  - سئل الدكتور يوسف القرضاوي عندنا بالمغرب. ما حكم من يلجأ إلى البنك للحصول على قرض للسكن بالفائدة ؟ فأجاب - حفظه الله: " شخصيا. أفتيت الإخوة خارج البلاد الإسلامية بجواز الاقتراض من أجل السكن. لكن في الحقيقة. منذ حوالي 25 سنة وأنا أزور أوربا وأمريكا وكنت لا أبيح أخذ القرض من أجل السكن. ولكن منذ سنوات. بدأ اجتهادي يتغير. وأفتيت بمذهب أبي حنـيفة الذي أفتى به شيخنا الأستاذ الزرقاء أيضا وبعض مشايخ الحنفية من الهند وباكستان ورأيت أن هذا المذهب يحل الكثير من مشاكل المسلمين في أوربا وأمريكا.

فالمسلمون لهم أطفال كثيرون وهذا يسبب لهم مشاكل كثيرة وهم يشكون منها. فهم محتا جون إلى بيوت يملكونها للسكن ولا يستأجرونها. أنا وإن كنت متشددا في السنوات الأولى. فقد بدأت أخيرا آخذ بمذهب الأحناف.حيث يقول أبو حنـيفة: يجوز التعامل بالعقود الفاسدة في دار الحرب. ويقصد بدار الحرب ما ليس بدار الإسلام. لأن التقسيم عنده ثنائي. وكل ما كان خارج دار الإسلام فهو دار حرب. فنقول بجواز التعامل بعقودهم الفاسدة ومنها عقد الربا ولكن بشرطين: الشرط الأول: أن تكون هناك مصلحة للمسلم. الشرط الثانـي: ألا يكون في ذلك غدر أو خيانة. أي أن يكون هناك مراعاة للجانب الأخلاقي.

أنا أفتيت بجواز هذا ببلاد الغرب. أما في بلاد المسلمين فلا أفتي بهذا. ولكن علينا أن نضغط ونضغط. فنحن لسنا بدار حرب بل نحن في بلاد إسلامية وأصر على أنها إسلامية ونقاتل دونها. " ندوة الزكاة. سلسلة الحوار. منشورات الفرقان. عدد 32 ص 44. 45

[37] - يمكن للوداديات والتعاونـيات السكنـية أن تكون مشاريع مؤسسات وقائية من آفات القروض الربوية. وقد أصبحت من الحلول الناجحة بين أكثر من قطاع من قطاعات الوظيفة العمومية وغيرها. إذ يتم تأسيس ودادية أو تعاونـية قانونـية من عدد من المنخرطين. يرشحون من بينهم مكتبا مسيرا. ويضعون لأنفسهم قانونا أساسيا لتنظيم سير الودادية أو التعاونـية. بدءا  بجمع الإسهامات ومرورا بشراء الأرض وتجهيزها إلى بناء وتوزيع شققها على المشاركين بالقرعة أو التراضي أو غير ذلك.

   ولهذه المؤسسات حق الاستفادة من كثير من التسهيلات والخدمات القانونـية. كل ما هنالك هو أنه لا بد من تحديد المسؤوليات بدقة وتسطير الضمانات الكفيلة بحمايتها من التلاعب والاستغلال. وذلك بترشيح الثقات الأكفاء وضبط المداخيل والمصاريف. والأرصدة المتبقية وتقديم الكشوفات الدورية والمحاسبة التامة زيادة على الثقة المتبادلة بين المتعاونـين.

[38] - مفاتيح الغيب. فخر الدين الرازي دار الكتب العلمية. بيروت. ط1. 1421هـ/ 2000م. 20 / 75.

 [39]  - غياث الأمم. ص 297.

[40]  - حجة الله البالغة. ولي الله. الدهلوي بيروت. دار إحياء العلوم. لبنان. ط1. 1410هـ/ 1990م. ص 127. 140.

 [41]كتاب الكسب. محمد بن الحسن الشيباني. تحقيق د. سهيل زكار. دمشق. د ط. 1400ه. 1 / 32.  بتصرف.

[42]- السرخسي، المبسوط. 30 / 251.  

 [43]  - قواعد الأحكام. 2 / 76. 119.

[44] - صحيح مسلم. مسلم. كتاب: البر والصلة والآداب. باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره. ودمه وعرضه وماله.     4 / 1986.

[45] - صحيح مسلم. كتاب: البر والصلة والآداب. باب: تراحم المؤمنـين وتعاطفهم وتعاضدهم. 4 / 1999.

[46] - مقاصد الشريعة الإسلامية. لابن عاشور. ص 277.

 [47]صحيح البخاري. البخاري. تحقيق مصطفى ديب البغا. دار ابن كثير. اليمامة. بيروت. ط3. 1407/1987.         5 / 2179.

[48] - صحيح ابن حبان. ابن حبان. تحقيق شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط2. 1414/1993م. 13/318.

[49] - صحيح مسلم. مسلم. دار الجيل. بيروت. د ط. ولا ت. 8 / 34.

[50] - صحيح مسلم. 8 / 33.

[51] - صحيح مسلم. 8 /10.

[52] - صحيح مسلم. 4 /39.

[53]صحيح البخاري. 3 / 1213.

[54]سنن الترمذي. محمد بن عيسى الترمذي. تحقيق. أحمد محمد شاكر. دار إحياء التراث العربي. بيروت. د ط ولا ت.     4 / 464.

 [55] - الموافقات. 2 / 312.

[56] - المقدمة. ابن خلدون. تحقيق علي عبد الواحد وافي. نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. د. ط. 2004م. 1 / 334.

[57] - المقدمة. 2 /697 – 703.

[58] - مقدمة ابن خلدون. تحقيق عبد السلام الشدادي، دار تبقال للنشر، الدار البيضاء. د ط. 2000م. 1/321، 330.

[59] - الموافقات. 3 / 102.

 - الموافقات. 2 / 8.

 الموافقات. 2 / 13. 14.

- مسلم. صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات. باب: ما يباح به دم المسلم. بيروت. دار إحياء التراث العربي. د. ط. و ت. 3 / 1302.

- وفي هذا يقول الأستاذ يوسف القرضاوي: " الإسلام لا يكره أحدا على الدخول فيه. ولا على الخروج من دينه إلى دين آخر. لأن الإيمان المعتد به هو ما كان عن اختيار واقتناع. ولكنه لا يقبل أن يكون الدين ألعوبة يدخل فيه اليوم ويخرج منه غدا على طريقة بعض اليهود الذين قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون. ﴾            ( آل عمران: 72 ).

    ولا يعاقب الإسلام بالقتل المرتد الذي لا يجاهر بردته. ولا يدعو إليها غيره. ويدع عقابه إلى الآخرة إذا مات على كفره. كما قال تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنـيا والآخرة. وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ﴾ ( البقرة: 217 )

إنما يعاقب المرتد المجاهر. وبخاصة الداعية للردة. حماية لهوية المجتمع وحفاظا على أسسه ووحدته. ولا يوجد مجتمع في الدنـيا إلا وعنده أساسيات لا يسمح بالنـيل منها مثل الهوية والانتماء والولاء. فلا يقبل أي عمل لتغيير هوية المجتمع وتحويل ولائه لأعدائه وما شابه ذلك.

   ومن أجل هذا اعتبرت الخيانة للوطن وموالاة أعدائه - بإلقاء المودة إليهم. وإفشاء الأسرار لهم - جريمة كبرى. ولم يقل أحد بجواز إعطاء المواطن حق تغيير ولائه الوطنـي لمن شاء ومتى شاء ". القرضاوي. يوسف. " عقوبة الردة.. ومواجهة المرتدين ". مجلة منبر الشرق. عدد 10 ( 1414هـ/ 1993م ) ص 8.

- أعلام الموقعين. ابن القيم. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر. ط2. 1397هـ/1977م. 1 / 85. 89.

 مجموع الفتاوى. ابن تيمية تحقيق. أنور الباز و عامر الجزار. دار الوفاء. ط3 . 1426هـ/ 2005م. 28 / 107.

 [66] - الموافقات. 2/ 18.