القسم : إصدارات المركز
التاريخ : 2019/01/15

تقديم الدكتور أحمد الريسوني

        سبق لمركز المقاصد للدراسات والبحوث أن أعلن عن استكتاب مفتوح للسادة العلماء والباحثين المختصين، في موضوع (نظام الإرث في الإسلام)، ودعاهم إلى تقديم بحوث ودراسات عن الجوانب والقضايا الأكثر أهمية وراهنية في الموضوع...

        ويسرنا أن نقدم للقراء والمهتمين الحصيلة الأولى من الدراسات المقدمة للمركز، بعد أن اجتازت عدة مراحل من الإعداد والتحكيم، والمراجعة والتتميم.

        وإننا إذ نشكر الأساتذة الأجلاء: الدكتور نور الدين الخادمي، والدكتور أحمد كافي، والدكتور عبد الله الجباري، على تجاوبهم وعلى دراساتهم القيمة، لنرجو أن نتمكن لاحقا من نقديم دراسات أخرى في الموضوع، على نفس المنوال إن شاء الله تعالى.

        وقد جمعت هذه الدراسات الثلاث بين تناول نظام الإرث في أسسه وكلياته العقدية والأصولية والمقاصدية، وتناول جوانب ونماذج محددة منه، تجسد راهنية الموضوع، وما يحتاجه من توضيح وبيان، وما يتطلبه من تجديد واجتهاد.

        ومما يجدر تأكيده ويجب التأسيس عليه؛ أن أحكام الإرث في الإسلام، ليست قطعا مفككة مستقلة بعضها عن بعض، بل الإرث في حد ذاته نظام متكامل. ثم هو جزء من نظام أوسع، هو النظام الأسري أو العائلي. وكلاهما جزء من منظومة تشريعية متجانسة، تغطي كل جوانب الحياة الفردية والجماعية، المادية والمعنوية. وكل هذه التشريعات تظللها وتحوطها عقائد ومقاصد وقواعد، وتتخللها أخلاق وقيم وآداب...

        وقد يكون من السهل على من يقوم باقتطاع جزء من جزء من جزء، من الشريعة الإسلامية، أن يثير حوله ما شاء من مطاعن واعتراضات واستدراكات، تماما كمن يفصل قطعة من سيارة أو طائرة، أو غيرهما من الأجهزة المركبة الدقيقة، أو يجدها مفصولة معزولة، فيفحصها ويُقَلّبها ويجربها، منفردة، ثم يحكم عليها: بأنها مَعيبة، أو قليلة الفائدة، أو لا تصلح لشيء. وقد يعمد إلى تركيب تلك القطعة ومحاولة تشغيلها في غير آلتها.. والنتيجة واحدة..

        إنه منهج الاقتطاع والاجتزاء؛ منهج يفكك ولا يركِّب، ويمزق ولا ينسق، ويفرق ولا يوفق، ويضع الأجزاء في غير مواضعها، أو يستعملها لغير مقاصدها. وهذا في الحقيقة إنما هو إفساد للعلم وتمزيق لحقائقه، وإنما يأكل الذئب الشاةَ القاصية.

        أما منهج السداد والرشاد في العلم، فهو منهج "النظر الفسيح"، على حد تعبير العلامة محمد الطاهر ابن عاشور. وهو المنهج الذي شرحه الإمام الشاطبي بقوله: "فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة؛ بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامِّها المرتب على خاصِّها؛ ومطْلَـقها المحمول على مقيَّدها، ومجملها المفسَّر بمبيَّـنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها. فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام، فذلك هو الذي نطقت به حين استنطقت.

        وما مَـثَـلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي؛ فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا يستنطق فينطق باليد وحدها، ولا بالرجل وحدها، ولا بالرأس وحده، ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي بها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليل منها أيِّ دليل كان، وإن ظهر لبادي الرأي نُـطق ذلك الدليل، فإنما هو توهمي لا حقيقي؛ كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة، من حيث علمت أنها يد إنسان، لا من حيث هي إنسان؛ لأنه محال.

فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا؛ كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة متحدة"[1].

        وهذا التصوير والتشبيه الذي أبدع فيه الشاطبي وأمتع، يرشدنا إلى قضية أخرى يجب ألا تغيب عن الناظرين في أحكام الشريعة، وهي أنها شريعة الفطرة. فالفطرة خيط رابط ناظم بين خلق الله وشرعه، أو بين الخلائق والشرائع.

انظر إلى ابن عاشور وهو يُعرِّف الفطرة ويذكر لها أمثلة متنوعة بقوله: "الفطرة: الخِلقة، أي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق. ففطرة الإنسان هي ما فُطر، أي خُلق، عليه الإنسان ظاهراً وباطناً، أي: جسداً وعقلاً.  فسَيْرُ الإنسان على رجليه فطرة جسدية, ومحاولة مشيه على اليدين خلافُ الفطرة. وعمل الإنسان بيديه فطرة جسدية, ومحاولة عمله برجليه خلافُ الفطرة. واستنتاج المسبَّبات من أسبابها والنتائجِ من مقدماتها فطرةٌ عقلية. ومحاولةُ استنتاج الشيء من غير سببه - المسمى في علم الجدل بفساد الوضع - خلافُ الفطرة العقلية. والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقلية, وإنكار السفسطائية ثبوتَها خلافُ الفطرة العقلية"[2].

        ففي أعضاء البدن ووظائفها فطرة، وفي الأمور العقلية فطرة، وفي المدركات المعرفية الحسية فطرة، وفي التشريعات والتكاليف فطرة.

        وقد جمع الله عز وجل بين الفطرة التشريعية والفطرة التكوينية في مساق واحد، في قوله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

         فالشريعة تقف مع الفطرة، وتقف على أرضية الفطرة، وتكمِّلها وتجمِّلها، كما قال الإمام ابن تيمية: "وإنما الكمال: بالفطرة المكمَّلة بالشِّرْعة المنزلة. والرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها، لا بتغيير الفطرة وتحويلها"[3].

        فحين نتناول قضايا الزواج والعشرة الزوجية، وحين ننظر في مواطن الاتفاق والاختلاف بين الذكر والأنثى، وحين ننظر في قضية المساواة بين الرجل والمرأة، وحين نتناول الغريزة الجنسية وحقوقها وحدودها، وحين ننظر في حكم من أحكام الميراث أو الطلاق أو الحضانة... في كل هذا وغيره، يجب أن نلتفت إلى الفطرة، ونستمع إلى صوت الفطرة، وألا نتجاهلها أو نعاكس مقتضاها.

        فمعاكسة الفطرة هي التي جعلت أقواما يستقذرون الزواج والغريزة الجنسية، فغرقت كنائسهم في الفساد والشذوذ واغتصاب الأطفال.

        ومعاكسة الفطرة هي التي أدت بأقوام إلى الإنكار والتنكر للفروق الراسخة الواضحة بين الذكر والأنثى، وإهدار ما فيها من تكامل وحكمة.

        ومعاكسة الفطرة هي التي تحرك المغالين من دعاة المساواة القسرية التعسفية، بين الرجال والنساء، بما في ذلك تحقيرهم لوظيفة الإنجاب والأمومة والحضانة، التي لولاها لما كنا وما كانوا.

مدير المركز أحمد الريسوني

الرباط في 16صفر 1440هـ / 27 أكتوبر 2018م

 

[1] الاعتصام، الشاطبي،  2/ 62

[2] مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور ص 55 .

[3] درء تعارض العقل والنقل 10/ 277