الدكتور أحمد الريسوني القسم : دراسات
التاريخ : 2018/09/20

الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب مقدمة

مقدمة الكتاب

تعيش بلداننا ومجتمعاتنا - كسائر بلدان العالم في هذا العصر - انفتاحا شاملا لا حدود له، سواء على صعيد التجارة والاقتصاد، أو على صعيد الفكر والثقافة، أو على صعيد التربية والتعليم، أو على صعيد الفنون والآداب، أو على صعيد السياسة والإعلام، أو على صعيد الأخلاق والقيم، أو على صعيد العادات وأنماط العيش، بل حتى على صعيد الملل والنحل والمعتقدات.

في كل هذه المجالات وغيرها: أصبحتْ أبوابُــنا مفَـتَّحة، إن كان قد بقي لنا من أبواب. لقد أصبحنا نستقبل كل شيء، ونستهلك أي شيء؛ من جيد ورديء، ونافع وضار، وصالح وفاسد، وجميل وقبيح، ونقي وملوث... كل ذلك بات يملأ بيوتنا وبطوننا وعقولنا ونفوسنا.

في مجال الإنتاج الاقتصادي والتبادل التجاري خاصة، تلجأ كثير من الدول إلى تبني سياساتٍ وقائيةٍ وسَنِّ قوانينَ حمائيةٍ، بغية تقوية منتجاتها وثرواتها الوطنية، وتمكينِها من المنافسة والصمود أمام الاكتساح المتدفق من جهات الأغنياء الأقوياء.

 ولكن القاعدة التي تبقى سائدة هي: أن الغنيَّ يريد أن يكون أغنى، والقوي يريد أن يكون أقوى، والمكثر يريد أكثر فأكثر. أما الفقير الضعيف فليس أمامه - إن هو أراد البقاء - إلا أن يكون في خدمة القوي. هذا هو منطق الأغنياء الأقوياء.. {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أن أعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: 79]، {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23]. فصاحب الأسطول يطارد صاحب السفينة الواحدة ليأخذها منه، وصاحب التسع والتسعين نعجة يريد الاستيلاء على النعجة الوحيدة لأخيه، وهكذا...

هذا على صعيد الثروات والمكاسب المادية، وأما الثروات الثقافية والحضارية للأمم المغلوبة، فالقوي المتغلب عادة ما يَعْمَدُ إلى إتلافها وطمسها، وإلى تشويه ما بقي منها، على قاعدة {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون} [النمل: 34]. فالكلمة للأقوى، ولو كان هو الأسوأ والأفسد.

وتتضافر مع هذه القاعدة قاعدةٌ أخرى - أو سُـنَّـة أخرى - هي أشد سوءا وفتكا - وهي التي عبر عنها ابن خلدون بقوله: "المغلوب مُولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"[1].

والمغرب الإسلامي اليوم كله - أقصاه وأدناه وأوسطُه - أصبح يعيش تحت وطأة هذه السنن ويعاني من آثار اقتحامها له، بعد أن عاش وحدة دينية ومذهبية فريدة، على مدى قرون وقرون.

فمع الهشاشة والتقهقر والانهزامية في مقوماته ومكوناته الدينية والمذهبية، تشَرّبَ كثير من أبنائه تلك المذاهب المتغلبة المستقوية، وتزودوا من بضائعها البراقة المغرية، واتخذوا لها أسواقا وأبواقا، فأصبحت ملءَ السمع والبصر والفؤاد...

وهذا الكتاب ليس للمقاومة ولا للمقارعة، وليس بالضرورة ضد ما يأتي من الشرق والغرب، ولكنه فقط من باب قوله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21].

إنه التفات ونظر في أنفسنا وكنوزنا، وفي بعض مُكَوناتنا ومَكْنونات تاريخنا. وهي دعوة للتعامل معها بالوفاء لا بالجفاء، وبالاستثمار لا بالإقبار.

وهو - بصفة خاصة - تعريف وتذكير وتنويه بالاختيارات المذهبية الكبرى التي صنعت تاريخ المغرب ووحْدَتَه وأمجادَه، صنعت (المغرب العميق) و(المغرب الأصيل). وصنعت جزءا كبيرا مشْرقا ومشَرِّفا من تاريخ الإسلام والمسلمين، وهي ما زالت قادرة على العطاء والبناء، وعلى الإنجاد والإمداد...

إنها: (الاختيارات المغربية[2] في التدين والتمذهب).

وأعني بها تحديدا ما ذكره العلامة عبد الواحد بن عاشر[3] في مقدمة منظومته الشهيرة، حيث قال:

في عقد الأشعري وفقه مالكْ       وفي طريقة الجنيد السالكْ

لكني أضيفُ إلى هذه الثلاثة اختيارا آخر، لا يشك فيه أحد، ولكنه عادة لا يذكر؛ وهو: قراءة الإمام نافع، فصارت الاختيارات المقصودة في عنوان هذا الكتاب أربعة، هي:

  1. قراءة الإمام نافع للقرآن الكريم،
  2. مذهب الإمام مالك في الفقه،
  3.  مذهب الإمام الأشعري في العقيدة،
  4. طريقة الإمام الجنيد في التصوف.

وتسميتي لها "اختيارات"، أعني بها أنها جاءت عن اختيار إرادي، واعٍ ومتبصر، ولم تكن نتيجة إكراه وإلزام، ولا هي جاءت بالصدفة والعفوية، كما سيتضح ذلك في ثنايا الكتاب.

وأما صفة "المغربية"، فهي نسبة إلى المغرب وأهل المغرب.

ومرادي بـ"المغرب" هو: ما يقابل "المشرق" في عرف الاستعمال السائد في المصادر العربية.

المغرب المقصود هو ما حدده أبو إسحاق الكرخي (المتوفى: 346هـ) بقوله: "وأمّا المغرب: فهو نصفان يمتدّان على بحر الروم[4]؛ نصف من شرقيّه ونصف من غربيّه. فأمّا الشرقي فهو برقة وإفريقيّة وتاهرت وطنجة والسوس وزويلة، وما في أضعاف هذه الأقاليم. وأمّا الغربي فهو الأندلس..."[5] .

ويؤكد ابن عذاري المراكشي: أن "بلاد الأندلس أيضاً من المغرب وداخلة فيه، لاتصالها به"[6] . وهو اتصال بكل المعاني، وليس فقط اتصالا جغرافيا.

غير أن المصادر المتأخرة والحديثة لم تعد تُدخل الأندلس في التحديد الجغرافي للمغرب، بعد سقوطها وزوال حكم المسلمين منها. وهذا ما نجده عند المؤرخ أحمد بن خالد الناصري (ت: 1315هـ/1897م)، حيث قال: "اعْلَم أَن لفظ المغرب يُطلق فِي عرف أَهله على نَاحيَة من الأَرْض مَعْرُوفَة بِعَينها، حَدُّهَا من جِهَة مغرب الشَّمْس الْبَحْرُ الْمُحِيط المَعْرُوف بالكبير، وَمن جِهَة مشرق الشَّمْس بِلَاد برقة وَمَا خلفهَا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة. ومصر فبرقة خَارِجَة عَن بِلَاد الْمغرب بِهَذَا الِاعْتِبَار، وبلاد طرابلس وَمَا دونهَا إِلَى جِهَة الْبَحر الْمُحِيط دَاخِلَة فِيهِ"[7] .

وكثيرا ما تعبر المصادر العربية عن المنطقة المغربية، أو أجزاء منها، باسم "إفريقية"، وهي تسمية تطلق تارة على المناطق الممتدة من طرابلس المغرب إلى طنجة، وتارة تطلق فقط على ما يسمى اليوم ليبيا وتونس والجزائر، باستثناء الغرب الجزائري فيدخل في مسمى المغرب، وليس داخلا في "إفريقية"[8].

جاء في (معجم البلدان):

"إفريقية، بكسر الهمزة: وهو اسم لبلاد واسعة ومملكة كبيرة قبالة جزيرة صقلية، وينتهي آخرها إلى قبالة جزيرة الأندلس، والجزيرتان في شماليها، فصقلية منحرفة إلى الشرق والأندلس منحرفة عنها إلى جهة المغرب...

 وقال أبو الريحان البيروتي: ... وحدُّ إفريقية: من طرابلس الغرب من جهة برقة والإسكندرية إلى بجاية. وقيل: إلى مليانة.

وقال أبو عبيد البكري الأندلسي: حدُّ إفريقية: طولها من برقة شرقا إلى طنجة الخضراء غربا، وعَرْضها من البحر إلى الرمال التي في أول بلاد السودان، وهي جبال ورمال عظيمة متصلة"[9].

وفيه أيضا: "الجَزَائرُ: ... اسمٌ علمٌ لمدينة على ضفّة البحر، بين إفريقية والمغرب"[10]. وهذا يؤكد القول بأن غرب الجزائر يدخل في مسمى المغرب، ولا يدخل في مسمى إفريقية.

وعلى كل حال، فمرادي بالمغرب، هو مجمل ما يشمله عنوان كتاب أبي العباس الونشريسي: (المعيار الـمُـعْرِب والجامع الـمُغْرِب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب).

ومن لطيف ما نقرأه في معيار الونشريسي هذا: "وَسُئِلَ الشيخ أبو القاسم بن مُشكان القابسي، عن العاقلة الذين يؤدون (الدية) فَأَجَابَ: بأن العاقلة هم العَصَبة ومن يقرب منها، الأقرب فالأقرب ... وما ذكرنا يكون من أهل الكورة الواحدة، وإفريقيةُ كورة[11] واحدة من طرابلس إلى طنجة..."[12] .

غير أن هذه الاختيارات المذهبية المغربية، إنما كان منبعها ومنطلقها، من مراكز "القرار العلمي"؛ وهي بالدرجة الأولى: القيروان، فقرطبة، ففاس، فتلمسان. ففي هذه المعاقل الإسلامية المالكية وبإشعاعها، كانت تصاغ الاختيارات والاجتهادات وتُعتمد، ومنها يتخرج العلماء المدافعون عنها. وكان لكل واحد من هذه المراكز فروع وتوابع في محيطه القريب.

وقبل الحديث الخاص بكل واحد من هذه الاختيارات، أشير إجمالا إلى أن ما يجمعها هو أنها كلها من جملة المذاهب والاختيارات السُّنية المجمع عليها في الأمة الإسلامية ولَدى جماهير علمائها خاصة. وهي كلها مما أطبق أهل المغرب - في النهاية - على اختياره والتمسك به، في تدينهم ومذهبيتهم.

وأما الحديث التفصيلي عن هذه الاختيارات الأربعة، فسأتناوله - بعون الله تعالى - في بابين:

  • الباب الأول: في مذهب مالك ومقرأ نافع،
  • الباب الثاني: في مذهب الأشعري وطريقة الجنيد. 

وكلاهما في فصلين ومباحث.

والله المستعان وعليه التُّكْلان، ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه.

 

[1] - تاريخ ابن خلدون، المسمى (ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر) 1/ 184 - تحقيق خليل شحادة - نشر دار الفكر، بيروت - الطبعة الثانية: 1408هــ - 1988م.

 

[2] - أو: "المغاربية"، كما يقال اليوم.

[3] - العلامة عبد الواحد بن عاشر الأندلسي الفاسي، (909 – 1040هـ)، اشتهر بمنظومته الجامعة والمتداولة شرحا وحفظا ودراسة وتدريسا: (المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)، وله مؤلفات أخرى. قيل إنه من أحفاد الشيخ أحمد بن عاشر دفين سلا. 

[4] - هو ما يسمى اليوم: البحر الأبيض المتوسط.

[5] - المسالك والممالك، ص 36 - نشر دار صادر، بيروت- 2004م.

[6] - البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب1/ 6 . تحقيق ومراجعة: ج. س. كولان، إِ. ليفي بروفنسال - دار الثقافة، بيروت – لبنان - الطبعة الثالثة، 1983 م.

[7] - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 1/ 127 - نشر: دار الكتاب - الدار البيضاء.

 

[8] - فإذا قلتُ "إفريقية"، فهذا معناها. وإذا قلت "أفريقيا"، فمرادي القارة الأفريقية. ولا مشاحة . قال عبد الله كنون: "ويطلق مؤرخونا (إفريقية) على المغرب الأدنى والأوسط"، النبوغ المغربي في الأدب العربي1/38- الطبعة الثانية: 1380هـ/1960م.

[9] - معجم البلدان، لياقوت الحموي 1/ 228- دار صادر، بيروت - الطبعة الثانية، 1995 م.

[10] معجم البلدان 2/ 132 .

[11] - الكورة وجمعها كور، تطلق على المدينة، وعلى القُطر.

[12] - المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي 3/304- 305،. نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية 1401هـ - 1981م .